تتصاعد المخاوف في الولايات المتحدة من أن يؤدي الاندماج المحتمل بين باراماونت ووارنر براذرز ديسكفري إلى زيادة الضغط على دور السينما المحلية ومشغلي التلفزيون المدفوع، في وقت لا يزال فيه قطاع العرض السينمائي يحاول التعافي الكامل من آثار الجائحة وتراجع الإقبال مقارنة بمستويات ما قبل عام 2020.
هذه المخاوف جاءت ضمن دعوى قضائية رفعتها ولايات أميركية بهدف وقف الصفقة، وتقول فيها إن الجمع بين شركتين كبيرتين في توزيع الأفلام سيمنح الكيان الجديد نفوذاً تفاوضياً واسعاً على حساب دور العرض التي تعتمد على الاستوديوهات في الحصول على الأفلام الجماهيرية.
ضغوط متوقعة على أسعار التذاكر والاستثمار في التجربة السينمائية
وفقاً للدعوى، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً لزيادة قوة الاستوديوهات ستكون ارتفاعاً في أسعار التذاكر أو تقليصاً في الإنفاق الذي يرفع جودة تجربة المشاهدة داخل السينما. ويشمل ذلك الاستثمارات في المقاعد الأكثر راحة، وتوسيع خيارات المأكولات والمشروبات، وتطوير الشاشات والقاعات المميزة.
وترى الولايات المدعية أن هذا الضغط لن يقتصر على المستهلك النهائي، بل قد يحد أيضاً من قدرة المشغلين الصغار والمتوسطين على تحديث منشآتهم في بيئة تنافسية أصبحت فيها تجربة المشاهدة داخل القاعات جزءاً أساسياً من محاولة جذب الجمهور بعيداً عن المنصات الرقمية.
تركيز أكبر في سوق التوزيع التلفزيوني
الدعوى لا تتعلق بدور السينما فقط، بل تمتد أيضاً إلى سوق القنوات التلفزيونية الأساسية ومزودي خدمات الكابل. وبحسب الولايات، فإن الصفقة ستؤدي إلى تركيز أكبر في ملكية شبكات تلفزيونية واسعة الانتشار، ما يقلل من قوة التفاوض لدى شركات توزيع القنوات على المشتركين في المنازل الأميركية.
وتشير الشكوى إلى أن امتلاك الكيان المدمج لمحفظة شبكات بارزة سيمنحه أفضلية كبيرة في مفاوضات البث والتوزيع، الأمر الذي قد ينعكس في نهاية المطاف على فواتير المستهلكين وأسعار الخدمات التلفزيونية المدفوعة.
حجة مكافحة الاحتكار في مواجهة دفاع باراماونت
الولايات التي تقود الدعوى، وبينها كاليفورنيا ونيويورك ومينيسوتا وأوريغون، تقول إن الصفقة ستجمع بين اثنين من أكبر اللاعبين في صناعة الترفيه، ما يقلص عدد موزعي الأفلام الكبار في السوق الأميركية ويزيد من احتمالات الضغط على أصحاب دور العرض للحصول على حصة أكبر من إيرادات شباك التذاكر.
في المقابل، ترفض باراماونت هذا الطرح وتصفه بأنه قراءة غير دقيقة لقواعد المنافسة في قطاع الترفيه. وترى الشركة أن الطعن القانوني يتجاهل التحولات العميقة التي فرضتها التكنولوجيا على الصناعة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تراجع نماذج العمل التقليدية وخسائر الوظائف المرتبطة بها.
وتحذر باراماونت أيضاً من أن تأخير إتمام الصفقة سيؤدي إلى أعباء مالية إضافية كبيرة، خصوصاً مع التزامها بدفع رسوم تراكمية للمساهمين في وارنر براذرز ديسكفري إذا لم تُغلق الصفقة قبل موعد محدد.
قطاع السينما بين التعافي البطيء وتحديات المنصات الرقمية
تأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه شباك التذاكر الأميركي والكندي دون مستويات ما قبل الجائحة. ورغم أن الإيرادات ارتفعت هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فإنها ما زالت أقل بكثير من أرقام 2019، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه دور السينما في جذب الجمهور بانتظام.
وقد دفعت هذه البيئة المشغلين إلى الاستثمار في تحسينات متعددة، من بينها المقاعد المريحة، وتنوع المأكولات، وتجربة العرض المميزة، في محاولة لمنافسة زخم المشاهدة المنزلية عبر منصات البث. لكن مع أي زيادة في قوة الاستوديوهات الكبرى، يخشى أصحاب الصالات أن تتراجع قدرتهم على تمويل هذه التحسينات أو الحفاظ عليها.
تأثيرات أوسع على السوق وصناعة الترفيه
تقول جماعات تمثل أصحاب دور السينما إن أي مزيد من الاندماج بين الاستوديوهات الكبرى ستكون له تداعيات طويلة الأمد، ليس فقط على هوليوود، بل أيضاً على الشوارع التجارية المحلية التي تعتمد فيها بعض المجتمعات على دور العرض كمحرك اقتصادي وثقافي.
كما يرى بعض المشغلين المستقلين أن الاستوديوهات قد تطالب برسوم أعلى لتأجير الأفلام ذات الجماهيرية العالية، خاصة الأفلام التي تجذب الشاشات الكبرى في الأسابيع الأولى من طرحها. وفي ظل تقليد تقاسم الإيرادات بين الاستوديوهات ودور العرض، يظل هامش المناورة لدى المشغلين محدوداً عندما تكون الأفلام الأكثر طلباً تحت سيطرة عدد أقل من الشركات.
وتبقى نقطة حساسة أخرى هي أن المزيج بين شبكات التلفزيون التقليدية ومنصات البث في الكيان الجديد قد يزيد من قدرة الشركة على التفاوض مع الموزعين، بينما لا يشمل التحدي القانوني حتى الآن خطط دمج خدمات البث نفسها، مثل توحيد منصتي باراماونت+ وHBO Max.
وبينما تتابع السوق هذه المعركة القانونية، تبدو القضية مثالاً واضحاً على التوتر القائم في اقتصاد الإعلام الرقمي بين الرغبة في التوسع عبر الاندماج من جهة، والخشية من تضييق المنافسة ورفع تكاليف الوصول إلى المحتوى من جهة أخرى.