بيروت في المراتب الأخيرة عالمياً
احتفظت بيروت بموقعها المتأخر في التصنيفات الدولية الخاصة بجودة الحياة، رغم تسجيل تحسن محدود في بند كلفة المعيشة بعد استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية خلال الأشهر الماضية. لكن هذا التحسن لم يكن كافياً لتعويض أثر التضخم المتجدد وتراجع القوة الشرائية، ما أبقى العاصمة اللبنانية ضمن أسوأ المدن عالمياً وفق أحدث بيانات المؤشرات الميدانية.
وبحسب التصنيف الجديد، جاءت بيروت في المرتبة 287 من أصل 305 مدن شملها القياس، لتبقى قريبة من ذيل القائمة على مستوى العالم. وعلى الصعيد العربي، حلّت العاصمة اللبنانية في المركز ما قبل الأخير، فيما جاءت القاهرة في المرتبة الأخيرة بين المدن العربية المشمولة في المؤشر.
ويعكس هذا الترتيب استمرار الفجوة بين مؤشرات الأسعار من جهة، وبين مستوى الدخل والخدمات الأساسية من جهة أخرى، وهو ما يجعل أي انخفاض نسبي في بعض بنود الكلفة غير كافٍ لإحداث تحسن ملموس في حياة السكان اليومية.
تحسن محدود في كلفة المعيشة لا يغيّر الصورة العامة
سجلت بيروت تراجعاً طفيفاً في أحد المؤشرات الفرعية المرتبطة بنوعية الحياة، إذ بلغت نتيجتها 88.5 نقطة مقارنة بـ90.4 نقطة في منتصف العام الماضي. ويشير هذا التراجع العددي إلى هبوط محدود في التقييم العام، لكنه لا يعكس تحسناً فعلياً في الظروف المعيشية، بل يعزز صورة الاستقرار النسبي في بعض الأسعار فقط.
وفي المقابل، أظهرت النسخة الخاصة بمؤشر كلفة المعيشة أن بيروت لا تزال ضمن المدن مرتفعة التكلفة بالمعايير الإقليمية، رغم أنها ليست الأغلى عربياً. فقد جاءت ثالثة عربياً بعد دبي وأبو ظبي، مع نتيجة متوسطة بلغت 54.6 نقطة، أي أقل من المستوى المرجعي المعتمد في مدينة نيويورك.
وتوضح هذه النتيجة أن كلفة الحياة اليومية في بيروت ما زالت مرتفعة بالنسبة إلى مداخيل السكان، وأن التراجع في بعض الأسعار لا ينعكس تلقائياً على مستوى الرفاه أو القدرة على تحمل النفقات الأساسية.
كيف تُقاس نوعية الحياة؟
يرتكز التصنيف على ثمانية مؤشرات رئيسية، أربعة منها كلما ارتفعت درجاتها كان ذلك أفضل، وهي: القدرة الشرائية، الأمان، الرعاية الصحية، والمناخ. أما المؤشرات الأربعة الأخرى فكلما انخفضت كانت النتيجة أفضل، وتشمل: كلفة المعيشة، نسبة سعر المنزل إلى الدخل، الازدحام المروري، ومستويات التلوث.
في حالة بيروت، تبرز المشكلة في التوازن بين هذه العوامل. فحتى عندما تنخفض بعض الأسعار نسبياً، تظل القدرة الشرائية ضعيفة جداً، كما تبقى كلفة السكن والتنقل والاحتياجات اليومية أعلى من قدرة شريحة واسعة من السكان. وبذلك، لا يتحول أي تحسن جزئي إلى تقدّم حقيقي في التصنيف العام.
وتظهر البيانات أن بيروت سجلت 20.8 نقطة في بند الإيجارات، ما يعني أن أسعار الإيجار فيها أقل من نيويورك بنسبة تقارب 79.2 في المائة. كما حققت 47.2 نقطة في أسعار السلع، و53.3 نقطة في أسعار المطاعم، بينما سجلت 32 نقطة فقط في القدرة الشرائية، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الأسعار والدخول.
مقارنة عربية وعالمية
على المستوى العربي، تصدرت مسقط المدن المدرجة في المؤشر بنتيجة 180.3 نقطة، ما وضعها في المرتبة 75 عالمياً. وجاءت الدوحة في المركز الثاني عربياً بنتيجة 169.2 نقطة، في المرتبة 128 عالمياً، تلتها أبو ظبي بنتيجة 169 نقطة وفي المركز 128 عالمياً أيضاً. أما بيروت فجاءت في مستوى أدنى بكثير من هذه المدن من حيث جودة الحياة والقدرة الشرائية.
وعالمياً، احتفظت المدن الهولندية بمواقع الصدارة في المؤشر، حيث جاءت لاهاي في المركز الأول، تلتها آيندهوفن ثم روتردام. ويعكس هذا التفوق مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها جودة الخدمات العامة، وارتفاع القدرة الشرائية، وتوافر البنية التحتية، وانخفاض الضغوط اليومية على السكان.
هذه المقارنة تضع بيروت في موقع صعب ضمن خريطة المدن العالمية، إذ لا يكفي انخفاض بعض الأسعار لتجاوز آثار سنوات من عدم الاستقرار المالي وانكماش الدخول وتراجع الخدمات.
التضخم يعيد الضغوط على الأسر
توضح البيانات التاريخية لمؤشر كلفة المعيشة في بيروت أن الأسعار قفزت بصورة حادة بعد انفجار الأزمة المالية في أواخر 2019، ثم بلغت مستوياتها الأعلى مع نهاية 2022. وبعد ذلك، شهدت بعض الفترات انحساراً نسبياً في الكلفة، خاصة مع استقرار سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار منذ منتصف 2023.
لكن هذا المسار لم يدم طويلاً، إذ عادت الضغوط التضخمية للارتفاع من جديد، مدفوعة باضطرابات محلية وإقليمية أثرت في أسعار الطاقة والنفط وسلاسل الإمداد. ووفق البيانات المتاحة، وصل مؤشر الغلاء إلى نحو 20 في المائة حتى نهاية الشهر الخامس من العام الحالي، ما أعاد الأعباء على الأسر اللبنانية إلى الواجهة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن أي استقرار في سعر الصرف لا يؤدي تلقائياً إلى استقرار معيشة المواطنين. فعندما ترتفع أسعار السلع والخدمات بالتوازي مع ضعف الدخول، يصبح أثر التضخم أكثر وضوحاً، خصوصاً على الطبقات المتوسطة والضعيفة.
لماذا لم ينعكس استقرار الصرف على المعيشة؟
السبب الأساسي يكمن في أن استقرار العملة لا يكفي وحده لخفض كلفة الحياة إذا بقيت بنية الأسعار مرتبطة بعوامل أخرى، مثل كلفة الاستيراد، والنقل، والطاقة، والتمويل، وهوامش التجار، إضافة إلى ضعف المنافسة في بعض القطاعات. كما أن انخفاض الأسعار النسبي لا يعوض فقدان الأجور لجزء كبير من قيمتها خلال سنوات الأزمة.
كما أن مؤشر القدرة الشرائية نفسه يبقى العامل الأكثر حساسية في الحالة اللبنانية. فحتى عندما تصبح بعض السلع أقل كلفة مقارنة بمراحل سابقة، فإن الدخل لا ينمو بالوتيرة نفسها، ما يترك الأسر أمام معادلة صعبة بين زيادة النفقات وتراجع القدرة على الادخار أو الاستهلاك.
ولهذا السبب، تبدو بيروت عالقة في حلقة مركبة: أسعار لا تنخفض بما يكفي، دخول لا ترتفع بما يكفي، وخدمات عامة لا تتحسن بالسرعة اللازمة. وهذه العوامل مجتمعة تفسر استمرار تراجع ترتيبها في مؤشرات نوعية الحياة.
خلاصة المشهد
تكشف نتائج التصنيف الأخير أن بيروت ما زالت بعيدة عن أي تحسن جوهري في نوعية الحياة، على الرغم من بعض الانفراجات الجزئية في كلفة المعيشة. فالتضخم المستجد، وضعف القدرة الشرائية، وتكاليف السكن والخدمات، كلها عوامل تبقي العاصمة اللبنانية في موقع متأخر عالمياً.
وبينما تظهر مؤشرات الأسعار بعض التحسن النسبي، فإن الواقع الاقتصادي الأوسع لا يزال يضغط على السكان ويمنع هذا التحسن من التحول إلى مكسب معيشية حقيقي. وعليه، تبقى بيروت مثالاً على مدينة تتراجع فيها جودة الحياة رغم تذبذب بعض المؤشرات الفرعية في الاتجاه الإيجابي.