ينطلق منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي هذا الأسبوع في نسخة جديدة تمتد أربعة أيام، وسط جدول أعمال واسع يجمع بين النقاشات الاقتصادية التقليدية والملفات المرتبطة بالتحول الرقمي والتقنيات الناشئة. ويأتي الحدث في توقيت تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا في إعادة تشكيل التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، ما يمنح جلساته بعدا يتجاوز كونه مجرد تجمع اقتصادي سنوي.
ويضم البرنامج أكثر من مئة جلسة حوارية وموائد مستديرة، إلى جانب عروض لمشاريع استثمارية ومعرض لحلول الابتكار والصناعة. كما يشمل المنتدى مسارا ثقافيا وسياحيا، في محاولة لربط النقاشات الاقتصادية بصورة أوسع مع البيئة الحضرية والأنشطة المساندة التي باتت جزءا من صيغة المؤتمرات الدولية الكبرى.
أجندة تضع التكنولوجيا في المقدمة
من أبرز محاور المنتدى هذا العام مناقشة الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، لكن الاهتمام الأكبر يتجه إلى التكنولوجيا والتحول الرقمي، والسيادة التكنولوجية، وتطوير الذكاء الاصطناعي. كما تتصدر الموضوعات المرتبطة بدعم الأعمال وتحول سوق العمل جدول النقاشات، في إشارة إلى أن انعكاسات الأتمتة والبرمجيات الذكية أصبحت جزءا أساسيا من الحديث عن مستقبل الاقتصاد.
وتعكس هذه العناوين اتساع الفجوة بين الاقتصادات التي تملك أدوات تطوير رقمية متقدمة وتلك التي ما زالت في مرحلة التكيف. لذلك تبدو جلسات المنتدى فرصة لطرح أسئلة عملية حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات، وما إذا كانت الشركات قادرة على تبني هذه الأدوات دون تكاليف تشغيلية مرتفعة أو اضطرابات كبيرة في سوق العمل.
جلسات مبكرة لملفات الشركات الصغيرة والأمن الدوائي
وكما جرت العادة، تبدأ فعاليات المنتدى بيوم تحضيري يسبق الافتتاح الرسمي في 3 يونيو 2026. وتشهد هذه المرحلة انعقاد المنتدى الروسي الحادي عشر للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب المنتدى الدولي للأمن الدوائي. ويعكس هذا الترتيب رغبة المنظمين في إبراز دور الشركات الأصغر حجما، وفتح مساحة لبحث التحديات المرتبطة بالإنتاج والتمويل والوصول إلى الأسواق.
أما حضور ملف الأمن الدوائي فيؤكد أن الاقتصاد الحديث لم يعد محكوما فقط بمؤشرات النمو والاستثمار، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدول على ضمان سلاسل توريد مستقرة للمنتجات الطبية والمواد الخام الحساسة. وهذا البعد اكتسب أهمية أكبر بعد اضطرابات سابقة في الأسواق العالمية، حين أظهرت القطاعات الصحية هشاشة واضحة أمام التوترات اللوجستية.
الأتمتة والأصول الرقمية ضمن نقاشات بريكس
في يومي 4 و5 يونيو تتركز الجلسات على الأتمتة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وسلاسل اللوجستيات داخل مجموعة بريكس، إضافة إلى الأدوات الجديدة للأصول غير التقليدية، ومنها الأصول المالية الرقمية. ويُتوقع أن يجذب هذا المحور اهتمام المشاركين في ظل التوسع العالمي في استخدام التقنيات المالية الجديدة، ومحاولات بعض الأسواق بناء بنية تحتية خاصة بها بعيدا عن النماذج التقليدية.
وتشير المناقشات المرتقبة إلى أن المنتدى لا يكتفي بعرض الفرص الاستثمارية، بل يحاول أيضا استكشاف الاتجاهات التي ستؤثر في حركة رأس المال خلال السنوات المقبلة. فالأصول الرقمية لم تعد موضوعا نظريا، بل أصبحت جزءا من نقاشات تتعلق بالتسويات التجارية، والتمويل، وإدارة المخاطر، والربط بين الأسواق الناشئة.
مشاركة دولية واسعة وحضور سعودي لافت
يُعقد المنتدى هذا العام بمشاركة دولية واسعة، مع حضور سعودي بصفة ضيف شرف، في خطوة تعكس عمق العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الرياض وموسكو. ويُنظر إلى هذه المشاركة باعتبارها منصة لبحث فرص التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، وهي قطاعات تكتسب ثقلا خاصا في المرحلة الحالية من التحولات الاقتصادية العالمية.
كما أن اتساع الحضور الدولي يمنح المنتدى بعدا إضافيا، إذ تتحول النقاشات من مجرد تبادل وجهات نظر إلى مساحة عملية لقياس اتجاهات الشركاء التجاريين والمستثمرين. وفي بيئة يشهد فيها الاقتصاد العالمي إعادة ترتيب للعلاقات وسلاسل الإمداد، يصبح أي تجمع بهذا الحجم مرآة مهمة لقراءة المزاج الاستثماري وآفاق الشراكات المقبلة.
الرياضة والثقافة كجزء من المشهد العام
إلى جانب الجلسات الاقتصادية، يشمل المنتدى فعاليات رياضية وثقافية. ففي الجانب الرياضي ينظم سباق دراجات متعدد الأيام، بينما يتضمن البرنامج الثقافي فعالية المواسم البطرسبورغية بين 30 مايو و6 يونيو، إضافة إلى عرض أوبرا في مسرح ماريينسكي وحفل موسيقي في ساحة القصر.
هذا المزج بين الاقتصاد والثقافة والرياضة يعكس طبيعة المؤتمرات الدولية الحديثة، التي باتت تسعى إلى تقديم تجربة متكاملة للمشاركين، لا تقتصر على القاعات المغلقة أو الاجتماعات الرسمية. كما يمنح المدينة نفسها فرصة لإظهار بنيتها التحتية وقدرتها على استضافة فعاليات معقدة تضم مسؤولين وشركات وممثلين عن قطاعات مختلفة.
وفي المحصلة، يبدو منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي هذا العام مخصصا لطرح أسئلة كبيرة حول مستقبل الاقتصاد في ظل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والأصول المالية الرقمية. ومع اتساع نطاق المشاركين والملفات المدرجة على الأجندة، يتحول الحدث إلى منصة لقياس اتجاهات الاستثمار والتكنولوجيا في مرحلة تتغير فيها قواعد المنافسة بسرعة.