20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تقرير دولي: العملات المشفرة تعقّد جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة

تقرير حديث يرصد اتساع استخدام الأصول الافتراضية في أنشطة غسل الأموال، مع تزايد دور العملات المستقرة وشبكات الاحتيال الاستثماري، رغم تحسن محدود في التزام الدول بالمعايير التنظيمية.

تزايد المخاطر المرتبطة بالأصول الافتراضية

حذّر تقرير دولي حديث من أن الجرائم المرتبطة بالعملات المشفرة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وترابطاً خلال العام الماضي، في وقت باتت فيه الجهات الرقابية والمؤسسات المالية وشركات الأصول الرقمية أمام تحديات متزايدة في تتبع التدفقات المشبوهة. ويعكس هذا التطور اتساع استخدام الأصول الافتراضية داخل شبكات غسل الأموال والاحتيال، إلى جانب صعوبة الحد من توظيفها في أنشطة غير قانونية.

ويأتي هذا التحذير في سياق اتساع الاهتمام العالمي بتنظيم سوق الأصول الرقمية، لا سيما مع ارتفاع حجم المعاملات وتنوع الأدوات المستخدمة داخل هذا القطاع. فكلما أصبحت البنية التقنية أكثر تطوراً، زادت أيضاً قدرة بعض المجموعات الإجرامية على إخفاء مسارات الأموال وإعادة تدويرها عبر منصات وخدمات متعددة.

ثغرات بين التقييم والتنفيذ

أظهر التقرير أن هناك تحسناً محدوداً فقط في مستوى التزام الدول بتطبيق توصيات مجموعة العمل المالي الخاصة بالأصول المشفرة. ووفقاً للبيانات الواردة فيه، أصبحت 51 جهة قضائية متوافقة إلى حد كبير مع معايير المجموعة من أصل 149 خضعت للتقييم حتى أبريل 2026، أي ما يعادل نحو 34%، مقارنة بنحو 29% قبل عام.

ورغم هذا التحسن النسبي، أكد التقرير أن الفجوة لا تزال واسعة بين تقييم المخاطر على الورق وبين ترجمة هذه التقييمات إلى إجراءات رقابية وتنفيذية فعالة. وتبرز هذه الفجوة في قدرة بعض الدول على ملاحقة التحويلات عبر الحدود، وتحديث قواعد الامتثال، وتعزيز آليات الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

كما أشار التقرير إلى أن ضعف التنسيق بين الجهات التنظيمية في بعض الأسواق يتيح للمجرمين التحرك بين منصات وخدمات مختلفة بسرعة تفوق أحياناً سرعة الاستجابة الرسمية، وهو ما يجعل المكافحة الفعالة رهينة بتطوير الأدوات التقنية والتشريعية بالتوازي.

العملات المستقرة تدخل دائرة القلق

من أبرز ما رصده التقرير زيادة استخدام العملات المستقرة من قبل جهات غير مشروعة خلال العام الماضي. ويرى التقرير أن هذه الأصول باتت تمثل أداة جاذبة لبعض الشبكات الإجرامية بسبب سهولة نقلها، وسرعة تداولها، وتزايد انتشارها في المدفوعات الرقمية والتسويات بين المنصات.

وذهب التقرير إلى أن بعض الشبكات طورت عملاتها المستقرة الخاصة، بما يمنحها قدراً أكبر من المرونة في مواجهة إجراءات التجميد أو المصادرة التي قد تلجأ إليها السلطات. وتزيد هذه الممارسة من صعوبة التدخل السريع، خصوصاً عندما تكون البنية التقنية مصممة منذ البداية لتفادي الرقابة أو إخفاء الملكية الفعلية للأصول.

ويعني ذلك أن العملات المستقرة، التي كان يُنظر إليها في الأصل كحل لتعزيز الاستقرار النسبي داخل سوق الأصول الرقمية، قد تتحول في بعض الحالات إلى قناة تُستخدم لتسهيل التحويلات المشبوهة، إذا غابت الضوابط الكافية على إصدارها واستخدامها وتتبّعها.

الاحتيال الاستثماري وشبكات غسل الأموال

لفت التقرير أيضاً إلى أن غسل الأموال المرتبط بعصابات الاحتيال وشبكات الاحتيال الاستثماري ما زال يمثل إحدى القنوات الأكثر تعقيداً في عالم الأصول الرقمية. وتستفيد هذه الشبكات من تعدد المحافظ والمنصات والخدمات الوسيطة، إضافة إلى استخدام تقنيات متقدمة لزيادة إخفاء الأثر الرقمي.

وفي هذا السياق، يصبح تتبع الأموال مهمة متعددة المستويات، تبدأ من رصد المعاملات غير الاعتيادية، مروراً بتحديد العلاقة بين المحافظ والمنصات، وصولاً إلى فهم البنية التنظيمية التي تقف خلف كل عملية. وكلما تعقدت هذه السلسلة، ازدادت الحاجة إلى تعاون دولي سريع ومتبادل بين الهيئات الرقابية وأجهزة إنفاذ القانون.

ويشير التقرير إلى أن جزءاً من التحدي لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الجهات المعنية على امتلاك أدوات تحليل بيانات متقدمة، وتحديث قواعد المعرفة لديها باستمرار، وملاحقة الأساليب الجديدة التي يبتكرها الفاعلون غير الشرعيين مع كل تطور تشهده السوق.

دعوة إلى تعاون دولي أوسع

خلصت مجموعة العمل المالي إلى أن التطورات المتسارعة في قطاع الأصول الافتراضية تفرض رفع مستوى التعاون الدولي وتعزيز الرقابة التنظيمية، بهدف الحد من استغلال التقنيات المالية الحديثة في غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. وتزداد أهمية هذا المسار مع الطابع العابر للحدود الذي يميز سوق العملات المشفرة.

فمن دون آليات تنسيق فعالة بين الدول، يمكن للأنشطة المشبوهة أن تنتقل من منصة إلى أخرى أو من ولاية قضائية إلى أخرى في وقت قصير، ما يضعف قدرة السلطات على التدخل في الوقت المناسب. لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير معايير موحدة نسبياً، وتحسين تبادل المعلومات، وتوسيع برامج الامتثال داخل الشركات العاملة في القطاع.

ويحمل التقرير في جوهره رسالة واضحة مفادها أن نمو الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن يستمر بمعزل عن الضوابط. فكلما توسعت تطبيقات الأصول الافتراضية، أصبح من الضروري بناء منظومة تنظيمية أكثر نضجاً توازن بين الابتكار المالي وبين حماية النظام المالي من الاستغلال غير المشروع.

وفي ظل استمرار هذا الجدل العالمي، تبدو معركة تتبع الأموال المشفرة جزءاً أساسياً من مستقبل الامتثال المالي، وليست مجرد قضية تقنية عابرة، بل ملفاً يرتبط مباشرة بسلامة الأسواق وثقة المستخدمين واستقرار المنظومة المالية الرقمية.