رصد تقرير أمريكي اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في الإمارات، معتبراً أنه أصبح أحد العوامل التي دعمت قدرة الدولة على الحفاظ على قدر من الاستقرار والمرونة في مواجهة اضطرابات إقليمية متلاحقة. ويشير التقرير إلى أن الاستثمار المبكر في التقنية لم يعد مجرد خيار تنموي، بل تحوّل إلى ركيزة من ركائز الإدارة الحكومية والنشاط الاقتصادي.
وبحسب التقرير، فإن الإمارات لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل دمجته في الخدمات اليومية والبنية المؤسسية، بحيث بات جزءاً من المعاملات المرتبطة بالمواطنين والمقيمين والشركات. هذا الانتشار الواسع عزز كفاءة الإجراءات وخفف الاعتماد على النماذج الورقية التقليدية، خصوصاً في المدن الكبرى مثل أبوظبي.
الذكاء الاصطناعي يدخل تفاصيل الحياة اليومية
يرى التقرير أن الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي في الإمارات تجاوزت مرحلة التجربة إلى مرحلة التوظيف المباشر في الخدمات العامة. فمن الإبلاغ عن مشكلات البنية التحتية إلى حجز المواعيد الطبية وسداد المخالفات، أصبحت الأنظمة الذكية تتولى جزءاً كبيراً من المهام التي كانت تتطلب سابقاً حضوراً شخصياً وإجراءات أطول.
هذا التحول، وفق القراءة الواردة في التقرير، يعكس نموذجاً حكومياً يعتمد على الأتمتة والاعتماد على البيانات، وهو ما يمنح المؤسسات قدرة أكبر على خفض الوقت والتكلفة ورفع مستوى الخدمة. كما أن هذا النوع من التكامل الرقمي يخلق بيئة أكثر جاذبية للشركات الناشئة والمستثمرين الذين يبحثون عن أسواق قابلة لاختبار حلولهم التقنية.
أبوظبي ودبي كمنصتين للنمو الرقمي
أشار التقرير إلى أن أبوظبي باتت إحدى أبرز البيئات التي يظهر فيها أثر الذكاء الاصطناعي بوضوح، بفضل انتشار التطبيقات الحكومية الذكية التي تدير مواعيد تجديد الهوية والتأمين الصحي وتسجيل المركبات وغيرها من الخدمات المرتبطة بالحياة اليومية. ويعكس ذلك، بحسب التقرير، انتقالاً عملياً من الحكومة التقليدية إلى نموذج أكثر تكاملاً ومرونة.
أما دبي، فقد وصفها التقرير بأنها مركز تجاري نشط يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والبنية التحتية المتقدمة، ما يجعلها منصة طبيعية لتسريع تبني التقنيات الرقمية. ويستند هذا الموقع إلى مزيج من عوامل تشمل موقع المدينة العالمي، وشبكات النقل، وحجم الأعمال، والتوجه الواضح نحو الابتكار في القطاعين العام والخاص.
استثمارات ضخمة ورؤية بعيدة عن النفط
وفقاً للتقرير، ضخت الإمارات مليارات الدولارات في البنية التحتية البحثية والتقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية طويلة المدى تهدف إلى بناء اقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر تنوعاً. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من استراتيجية اقتصادية أشمل تسعى إلى تعزيز القدرة التنافسية للدولة في أسواق المستقبل.
ويشير التقرير إلى أن صناع القرار في الإمارات تبنوا هذا التوجه قبل سنوات من التحول العالمي الواسع نحو الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي منح البلاد أفضلية زمنية في بناء القدرات والكفاءات والشراكات الدولية. كما أن انفتاح الدولة على التعاون مع كل من الولايات المتحدة والصين يعكس، بحسب التقرير، مقاربة براغماتية تركز على الاستفادة من أي تقدم تقني يخدم الأهداف الوطنية.
التخطيط المبكر والتعليم المتخصص
من أبرز ما توقف عنده التقرير تعيين وزير للذكاء الاصطناعي في الإمارات عام 2017، في خطوة اعتبرها سابقة عالمية عكست جدية الدولة في تحويل التقنية إلى ملف حكومي مستقل. وبعد عامين، جرى إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في مدينة مصدر بأبوظبي، لتصبح من أولى المؤسسات المتخصصة في الدراسات العليا بمجال الذكاء الاصطناعي.
ويرى التقرير أن هذه الخطوات لا تتعلق فقط ببناء مؤسسات أكاديمية أو إدارية، بل تشير إلى سياسة متكاملة تستهدف إعداد كوادر قادرة على إدارة المرحلة المقبلة من الاقتصاد الرقمي. فالمسألة لا تقتصر على استيراد التكنولوجيا، بل تشمل أيضاً إنتاج المعرفة وتطوير الخبرات المحلية وتأسيس بيئة بحثية منافسة.
التنويع الاقتصادي يعزز الجاذبية الاستثمارية
لفت التقرير إلى أن الإمارات، رغم اعتمادها التاريخي على النفط، تبنّت مبكراً استراتيجية واضحة لتنويع مصادر الدخل. وقد ساعد هذا التوجه على تعزيز جاذبيتها للمستثمرين ورواد الأعمال، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والخدمات المتقدمة والابتكار المؤسسي.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن هذا التنويع لم يقتصر على الخطاب الاقتصادي، بل تُرجم إلى بنية تحتية وتشريعات ومؤسسات وبيئة أعمال تسمح بتجربة حلول رقمية جديدة على نطاق واسع. وبهذا المعنى، أصبحت الإمارات مساحة اختبار مهمة للشركات التي ترغب في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها داخل سوق يتمتع بدرجة عالية من الجاهزية الرقمية.
الإمارات كنموذج إقليمي في الاقتصاد الرقمي
ينتهي التقرير إلى أن ما يميز التجربة الإماراتية ليس فقط حجم الإنفاق أو سرعة التبني، بل وجود رؤية متسقة تربط بين التكنولوجيا والاقتصاد والخدمات العامة. هذه الرؤية جعلت الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الكفاءة الحكومية، ودعماً لتنافسية الأعمال، ورافعة محتملة لمسار التنويع بعيداً عن القطاعات التقليدية.
وفي ضوء ذلك، تبدو الإمارات أمام فرصة لترسيخ موقعها كمركز إقليمي في الاقتصاد الرقمي، خاصة إذا واصلت الاستثمار في البنية التحتية والموهبة والبحث التطبيقي. كما أن التجربة الحالية توحي بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً تقنياً فقط، بل أصبح جزءاً من سياسة اقتصادية طويلة الأمد.