مقدمة المشهد النقدي
تتجه الأنظار في منطقة اليورو إلى الاجتماع المقبل للبنك المركزي الأوروبي، بعدما كشف محضر اجتماع أبريل عن نقاش أكثر تشدداً مما توقعه كثير من المستثمرين. المحضر أوضح أن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لم يكن قراراً سهلاً، وأن عدداً من أعضاء المجلس الحاكم كان مستعداً لدعم الرفع لو طُرح ذلك رسمياً على الطاولة.
هذه الإشارات دفعت الأسواق إلى التعامل مع زيادة جديدة في يونيو على أنها احتمال قوي للغاية، بل إن كثيراً من التقديرات بات يصفها بأنها خطوة شبه محسومة. والسبب الرئيس وراء هذا التوجه هو رغبة البنك في حماية مصداقيته ومنع التضخم من ترسيخ نفسه داخل الاقتصاد الأوروبي.
لماذا أصبح الرفع أقرب من أي وقت مضى؟
المحضر حمل رسالة واضحة مفادها أن صانعي السياسة النقدية باتوا أكثر قلقاً من آثار التضخم، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن أسعار الطاقة. كما أظهر أن بعض الأعضاء رأوا في رفع الفائدة إشارة أقوى إلى التزام البنك بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة في الوقت المناسب.
هذا الموقف ينسجم أيضاً مع ما لمحَت إليه رئيسة البنك كريستين لاغارد خلال مؤتمرها الصحافي السابق، حين أشارت إلى أن النقاش لم يقتصر على خيار التثبيت، بل شمل احتمال الزيادة. وبذلك تحولت التوقعات من مجرد نقاش داخلي إلى مسار يبدو أكثر وضوحاً مع اقتراب اجتماع يونيو.
صدمة عرض وليست أزمة طلب
من أبرز ما خرج به المحضر أن المركزي الأوروبي يرى ما يحدث حالياً بوصفه صدمة عرض سلبية كلاسيكية، لا نسخة مكررة من موجة التضخم التي شهدتها أوروبا في 2022. ففي ذلك الوقت، كان الطلب القوي بعد إعادة فتح الاقتصادات المحرك الرئيسي إلى جانب اضطرابات الإمدادات، أما اليوم فالمشكلة تبدو مرتبطة بالأساس بارتفاع كلفة المدخلات والطاقة.
كما أقر الأعضاء بأن التأثيرات غير المباشرة و«الجولة الثانية» لصدمة الطاقة أصبحت شبه حتمية. ويعني ذلك أن ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر على الوقود فقط، بل ينتقل تدريجياً إلى سلع وخدمات أخرى عبر سلاسل الإنتاج والتوزيع.
وتوضح التقديرات الزمن اللازم لانتقال الصدمة التضخمية: فقد يظهر أثرها على الوقود خلال شهر واحد تقريباً، بينما تحتاج سلع أخرى، مثل بعض المنتجات الغذائية واللحوم، إلى أكثر من 15 شهراً قبل أن تبلغ ذروتها السعرية.
النمو تحت الضغط لكن دون انفلات تضخمي
رغم تشدد النبرة النقدية، لا يبدو أن البنك مستعد للانزلاق إلى دورة رفع حادة ومتواصلة. فالمحضر أشار إلى تزايد المخاطر الهبوطية على النمو الاقتصادي، ما يعني أن أي تشديد مفرط قد يزيد تباطؤ النشاط ويعمق أثر الركود في بعض دول المنطقة.
ويرى محللون أن صدمات العرض الخارجية تختلف عن موجات التضخم المدفوعة بالطلب، ولذلك فإن الرد عليها لا يمكن أن يكون عدوانياً إلى حد كبير. فرفع الفائدة قد يكون ضرورياً لتثبيت التوقعات، لكنه ليس بالضرورة الأداة المثالية لمعالجة صدمة مصدرها الطاقة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا جاء التقدير السائد بأن الخطوة الأقرب ستكون رفعاً واحداً بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو، على أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً تأمينياً ورمزياً أكثر منه بداية لمسار تشديد طويل.
الأسواق تراهن على خطوة واحدة محسوبة
في الأسواق المالية، أصبح تسعير رفع الفائدة في يونيو شبه مكتمل بالفعل. ويعود ذلك إلى النبرة المتشددة التي صدرت عن بعض أعضاء المجلس التنفيذي، إضافة إلى الرسالة العامة التي حملها محضر أبريل بأن البنك لا يريد أن يظهر بمظهر المتردد أمام الضغوط التضخمية.
هذه القراءة تعززها أيضاً حقيقة أن الضرر التضخمي بدأ ينعكس على الاقتصاد الأوروبي حتى قبل أي تصعيد جديد في الأزمات الجيوسياسية. فحتى لو هدأت التوترات الخارجية بسرعة، فإن جزءاً من آثار ارتفاع الأسعار يكون قد انتقل بالفعل إلى المستهلكين والشركات.
لذلك يتعامل المستثمرون مع رفع يونيو كخطوة لاحتواء التوقعات، لا كإشارة إلى مرحلة تشديد مفتوح. كما أن سوق السندات نفسها يساهم في رفع تكلفة التمويل عبر زيادة العوائد، وهو ما يعني أن السياسة النقدية لا تعمل وحدها في هذا الاتجاه.
ما بعد يونيو: تشديد محدود أم توقف مؤقت؟
التوقعات اللاحقة لا تزال أكثر تعقيداً. فبينما يستبعد كثير من الخبراء الدخول في حلزونية تضخمية قوية، يبقى سيناريو التشديد الكبير بعيداً ما دامت الحكومات الأوروبية تحافظ على حزم دعم مالي محدودة وغير توسعية. وهذا يخفف من احتمال انزلاق الأسعار إلى دوامة يصعب كسرها.
لكن في المقابل، لا يمكن للبنك المركزي تجاهل هشاشة النمو. فكل خطوة إضافية في الفائدة قد تزيد كلفة الاقتراض على الأسر والشركات، خصوصاً في الاقتصادات الأكثر حساسية داخل المنطقة. ولهذا تبدو المعادلة المقبلة قائمة على الموازنة الدقيقة بين حماية المصداقية من جهة، وتجنب تعميق التباطؤ من جهة أخرى.
وبناء على المعطيات الحالية، فإن الزيادة المقبلة قد تكون أقرب إلى رسالة سياسية نقدية منها إلى تحوّل كامل في الاتجاه العام. إنها محاولة لإبقاء توقعات التضخم تحت السيطرة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام تقييم أهدأ للبيانات المقبلة قبل أي تحرك إضافي.
خلاصة
المشهد في منطقة اليورو يعكس لحظة حساسة للبنك المركزي الأوروبي، حيث تتقاطع ضغوط الأسعار مع تباطؤ النمو ومخاوف الركود. محضر أبريل أظهر أن الميل المتشدد بات أقوى، وأن رفع الفائدة في يونيو صار الخيار الأكثر ترجيحاً.
ومع أن الخطوة المتوقعة قد تكون محدودة، فإنها تحمل دلالة واضحة: البنك يريد منع التضخم من الترسخ، حتى لو كان ذلك عبر تشديد محسوب لا يذهب أبعد من الضرورة. وفي بيئة اقتصادية مضطربة، يبدو هذا التوازن هو الاختبار الأصعب أمام السياسة النقدية الأوروبية في المرحلة المقبلة.