الأعمال والاقتصاد الرقمي 01-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تركيا وأذربيجان تخططان لممر كهربائي جديد يربط أسواق الطاقة الإقليمية

تعمل تركيا وأذربيجان على إنشاء ممر لنقل الكهرباء على غرار خط أنابيب تاناب، في خطوة تهدف إلى تعزيز الربط الإقليمي وتوسيع شبكات الطاقة النظيفة في جنوب شرقي أوروبا والقوقاز.

خطة لنسخة كهربائية من تاناب

تتحرك تركيا وأذربيجان نحو توسيع شراكتهما في قطاع الطاقة عبر مشروع جديد يهدف إلى إنشاء ممر لنقل الكهرباء، على غرار خط أنابيب الغاز العابر للأناضول المعروف باسم تاناب. وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لربط شبكات الطاقة في المنطقة، ليس فقط للغاز والنفط، بل أيضاً للكهرباء والطاقة النظيفة.

وأعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن البلدين يعملان على تطوير مسار كهربائي يوازي من حيث الفكرة الدور الذي يؤديه تاناب في نقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا عبر الأراضي التركية. ويعكس هذا التوجه رغبة مشتركة في تحويل التعاون الثنائي في مجال الطاقة من بنية تقليدية مرتبطة بالوقود الأحفوري إلى شبكة أوسع تشمل مصادر متجددة وتبادل الفوائض الكهربائية.

ربط إقليمي أوسع يشمل دولاً مجاورة

بحسب التصور الذي عرضه بيرقدار، فإن المشروع لا يقتصر على تركيا وأذربيجان فقط، بل يرتبط أيضاً بدول أخرى في الجوار مثل جورجيا وبلغاريا، إلى جانب دول في جنوب شرقي أوروبا. الهدف هو بناء قدرة أكبر على تبادل الكهرباء بين هذه الأسواق، بما يتيح تمرير الفائض من بلد إلى آخر عند الحاجة.

هذا النوع من الترابط يكتسب أهمية خاصة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى شبكات أكثر مرونة، مع توسع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة التي تتغير وتيرة إنتاجها بحسب الطقس والظروف الموسمية. كما أن الربط الإقليمي يساعد على تحسين أمن الإمدادات وتقليل اختناقات الشبكات المحلية.

وفي كلمته خلال افتتاح أسبوع باكو للطاقة، شدد الوزير التركي على أن التعاون مع أذربيجان لم يعد محصوراً في الغاز، بل يتجه أيضاً إلى الممرات الخاصة بالطاقة النظيفة. وتدل هذه الرسالة على أن أنقرة وباكو تنظران إلى الطاقة كمنظومة شاملة تتداخل فيها الكهرباء والغاز والنفط ضمن استراتيجية نفوذ اقتصادي أوسع.

استثمارات تركية كبيرة لتحديث شبكة الكهرباء

تتزامن هذه الخطط مع برنامج تركي واسع لتحديث منظومة نقل وتوزيع الكهرباء. وتستهدف أنقرة استثمار 30 مليار دولار خلال العقد المقبل لتوسيع الشبكة واستيعاب الزيادة المتوقعة في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، إضافة إلى الطاقة النووية.

ويشير هذا الرقم إلى حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في المواءمة بين توسع الإنتاج من جهة، وقدرة الشبكات الحالية على نقل الكهرباء بكفاءة من جهة أخرى. فكلما زادت حصة الطاقة المتجددة، أصبحت الحاجة أكبر إلى بنية تحتية قادرة على التعامل مع تقلبات الإنتاج ونقل الكهرباء من مناطق التوليد إلى مراكز الاستهلاك أو إلى دول مجاورة.

كما تخطط تركيا لتطوير خطوط الربط مع جورجيا وأذربيجان وبلغاريا، في إطار سياسة تستهدف تعزيز المرونة التشغيلية والاستفادة من الفائض عند توفره. وهذا النوع من التوسعات قد يفتح المجال أمام تجارة كهرباء أكثر نشاطاً بين الدول المشاركة، خصوصاً في فترات الذروة أو عند حدوث نقص محلي في الإنتاج.

أهمية اقتصادية تتجاوز قطاع الطاقة

لا يقتصر أثر مثل هذا المشروع على قطاع الكهرباء وحده، بل يمتد إلى مجالات أوسع تشمل الاستثمار الصناعي والتجارة الإقليمية والأمن الاقتصادي. فوجود شبكة نقل كهرباء مترابطة يسهّل على الدول جذب مشاريع صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، لأنه يخفف من مخاطر الانقطاع ويعزز استقرار الإمدادات.

كما أن تطوير بنية تحتية عابرة للحدود يرسل إشارة إلى الأسواق بأن المنطقة تتحرك نحو نموذج تعاون أكثر تكاملاً، وهو ما قد يرفع أهمية تركيا وأذربيجان كمركزين لوجستيين وطاقويين في محيطهما. وفي الوقت نفسه، يمنح هذا التوجه فرصة لتسريع دمج الطاقة النظيفة في الشبكات الإقليمية بدل بقائها محصورة داخل الحدود الوطنية.

وترى الحكومات عادة أن مثل هذه المشاريع لا تُقاس فقط بحجم الخطوط أو الكابلات التي يتم مدها، بل بقدرتها على خلق سوق أوسع وأكثر مرونة للكهرباء. ومع توسع الطلب على الطاقة في أوروبا الشرقية والقوقاز، قد تصبح مشاريع الربط أداة عملية لتوزيع المخاطر وتحسين كفاءة الاستخدام.

من الغاز إلى الكهرباء: توسع في نموذج الشراكة

يمثل المشروع المقترح امتداداً لنموذج تعاون أثبت نجاحه في مجال الغاز، لكنه يتجه هذه المرة إلى الكهرباء بوصفها سلعة استراتيجية أكثر ارتباطاً بالتحول الطاقوي العالمي. وإذا تم تنفيذ الخطة، فسيكون ذلك بمثابة خطوة رمزية وعملية في آن واحد، تعكس انتقال البنية التحتية للطاقة في المنطقة من نموذج خط الأنابيب التقليدي إلى شبكة متعددة المسارات.

ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه الدول إلى موازنة أمن الإمدادات مع أهداف خفض الانبعاثات، ما يجعل الربط الكهربائي أحد الأدوات المهمة لتحقيق هذا التوازن. كما أن وجود قنوات لتبادل الطاقة النظيفة يمكن أن يدعم خطط رفع كفاءة الأنظمة الكهربائية الوطنية ويقلل الحاجة إلى تشغيل محطات أقل كفاءة في أوقات معينة.

وبينما لا تزال التفاصيل التنفيذية للمشروع في مرحلة التخطيط، فإن الاتجاه العام واضح: تركيا وأذربيجان تراهنان على توسيع التعاون الطاقوي ليشمل الكهرباء إلى جانب الغاز والنفط، في خطوة قد تعيد رسم خرائط الربط الكهربائي في المنطقة خلال السنوات المقبلة.