أثارت مقترحات حكومية جديدة في ألمانيا بشأن سوق الكهرباء والطاقة المتجددة موجة من التحذيرات داخل قطاع الطاقة الشمسية، بعدما حذر ممثلو الصناعة من أن التعديلات المطروحة قد تقلص الاستثمارات وتضغط على آلاف الوظائف المرتبطة بسلاسل التوريد والتركيب والصيانة.
وتدور الاعتراضات الأساسية حول مسودة تعديلات على قانون الطاقة المتجددة ضمن ما يعرف بحزمة الشبكات، وهي حزمة إصلاحية تهدف إلى التعامل مع اختناقات الشبكات وخفض عبء الدعم المالي. غير أن القطاع يرى أن بعض البنود قد ترسل إشارة سلبية للمستثمرين، في وقت تحتاج فيه ألمانيا إلى تسريع التحول الطاقي وليس تباطئه.
ما الذي تتضمنه المقترحات الجديدة؟
بحسب المسودة التي طرحتها وزارة الاقتصاد، فإن الأنظمة الشمسية الجديدة الصغيرة التي لا تتجاوز قدرتها 25 كيلووات، والمقرر تركيبها ابتداء من عام 2027، ستستفيد من تعريفة شراء مضمونة لمدة 36 شهرا فقط. وبعد هذه الفترة، سيصبح أصحاب هذه الأنظمة ملزمين ببيع الكهرباء مباشرة عبر بورصات الطاقة.
وتسعى الحكومة من خلال هذا التعديل إلى تقليص تكاليف الدعم المرتبطة بالطاقة المتجددة، مع الإبقاء على المسار العام لأهداف التحول في قطاع الطاقة. وتقول الوزارة إن الإصلاحات لا تهدف إلى تقويض الطاقة النظيفة، بل إلى جعل النظام أكثر كفاءة من الناحية المالية والتنظيمية.
لكن هذا التوجه يواجه انتقادات من الشركات الصغيرة والمتوسطة والمهن المرتبطة بتركيب الأنظمة الشمسية، التي ترى أن تقليص وضوح العائدات المستقبلية قد يجعل قرارات الاستثمار أكثر تحفظا، خاصة لدى الأسر وأصحاب العقارات الصغيرة.
تحذيرات من تراجع الاستثمارات والوظائف
الاتحاد المعني بقطاع الطاقة الشمسية اعتبر أن إلغاء الدعم المخصص للأنظمة الصغيرة الجديدة قد يهدد استثمارات تقدر بمليارات اليورو. كما حذر من أن عشرات الآلاف من الوظائف في الشركات المتوسطة وقطاع الحرف والمهن الفنية المرتبطة بالطاقة الشمسية قد تصبح عرضة للخطر إذا تراجعت وتيرة الطلب.
ويرى الاتحاد أن السوق الألمانية تعتمد إلى حد كبير على ثقة المستهلكين والمستثمرين في استقرار السياسات. لذلك فإن أي تغيير سريع في آلية الدعم، من وجهة نظره، قد يبطئ نشر الألواح الشمسية فوق الأسطح السكنية والتجارية، ويؤثر في سلسلة القيمة المحلية من الموردين إلى شركات التركيب.
كما حذر مسؤولو القطاع من أن هذه السياسات قد تدفع بعض الأسر إلى العودة إلى خيارات أكثر اعتمادا على الوقود الأحفوري، سواء بسبب الغموض في العائد الاقتصادي أو بسبب تراجع الحوافز على الاستثمار في الطاقة الشمسية المنزلية.
أثر محتمل على جاذبية الاستثمار في الطاقة المتجددة
لا تقتصر التعديلات المقترحة على الأنظمة الشمسية الصغيرة فقط، إذ تشمل أيضا خفض التعويضات لمحطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الجديدة في المناطق التي تعاني من اختناقات في شبكات الكهرباء، إذا اضطرت هذه المحطات إلى وقف الإنتاج مؤقتا.
ويقول منتقدو هذا البند إنه قد يجعل بعض المناطق أقل جاذبية للمشروعات الجديدة، لأن المستثمرين عادة ما يضعون في حساباتهم مستوى المخاطر التنظيمية ومدى استقرار العائدات. وفي سوق تشهد تنافسا متزايدا على التمويل، قد يمثل خفض التعويضات عن التوقفات القسرية عبئا إضافيا على الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
ومن شأن ذلك، بحسب منتقدي الخطة، أن يخلق تفاوتا بين المناطق من حيث القدرة على جذب استثمارات الطاقة النظيفة، خاصة إذا استمرت مشكلات الشبكات لفترات طويلة من دون حلول تقنية سريعة.
جدل سياسي حول سرعة الإصلاح
الاعتراضات على الحزمة لم تقتصر على قطاع الأعمال، بل امتدت أيضا إلى الساحة السياسية. فقد انتقد سياسيون من حزب الخضر هذه الخطط، معتبرين أن منح مشغلي الشبكات مهلة طويلة لمعالجة الاختناقات سيؤدي إلى تباطؤ التوسع في الطاقة المتجددة.
ويقول هؤلاء إن أي إبطاء في ربط محطات جديدة أو تقييد إنتاج الكهرباء الشمسية على أسطح المنازل قد يتعارض مع الحاجة الملحة لرفع مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء الألماني خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، تؤكد وزارة الاقتصاد أن الإصلاحات تستهدف معالجة الاختلالات القائمة في الشبكة وخفض الدعم غير الضروري، بما يضمن استمرار التحول الطاقي بطريقة أكثر استدامة من الناحية المالية.
أهداف التحول الطاقي في ألمانيا
تبلغ حصة مصادر الطاقة المتجددة حاليا 58% من إنتاج الكهرباء في ألمانيا، وهي نسبة تعكس تقدما كبيرا في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال الحكومة تستهدف رفع هذه الحصة إلى 80% بحلول عام 2030، ما يعني أن أي تباطؤ في توسع الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح قد يثير أسئلة حول مدى واقعية الوصول إلى هذا الهدف.
وتواجه ألمانيا معادلة معقدة بين خفض تكلفة الدعم وتحفيز الاستثمار في البنية التحتية الكهربائية وتوسيع الإنتاج من المصادر النظيفة. وكلما تأخر حل اختناقات الشبكات، زادت الحاجة إلى موازنة دقيقة بين كفاءة الإنفاق ودعم النمو في القطاع.
وفي هذا السياق، تبدو المقترحات الحالية اختبارا مهما لسياسة الطاقة الألمانية: هل تستطيع الحكومة تقليص الأعباء المالية دون إضعاف ثقة المستثمرين، أم أن تقليص الدعم سيؤدي إلى تباطؤ في سوق الطاقة الشمسية التي تعد إحدى ركائز التحول الأخضر في البلاد؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد على الأرجح شكل المرحلة المقبلة في قطاع يتقاطع فيه الاقتصاد مع السياسات الصناعية وأهداف المناخ وسلاسل التوريد المحلية. وبينما تسعى الحكومة إلى إصلاح النظام، يخشى القطاع من أن تكون الكلفة الفعلية أعلى من التوفير المتوقع.