العجز يتجاوز التوقعات في الربع الأول
أظهرت بيانات حكومية أميركية أن عجز ميزان المعاملات الجارية في الولايات المتحدة اتسع خلال الربع الأول من العام بوتيرة أكبر من تقديرات السوق، في إشارة إلى استمرار اختلال تدفقات السلع والخدمات والدخل والاستثمارات بين الولايات المتحدة والعالم.
وبحسب مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة، ارتفع العجز بمقدار 5.8 مليار دولار، أي بنسبة 2.6 في المائة، ليصل إلى 226.8 مليار دولار في الربع الأخير. وجاءت النتيجة أعلى من توقعات الاقتصاديين الذين رجحوا وصول العجز إلى نحو 215 مليار دولار.
كما عُدلت بيانات الربع الرابع السابق لتُظهر عجزاً عند 221.1 مليار دولار، بدلاً من التقدير السابق البالغ 190.7 مليار دولار، ما يعكس أيضاً مراجعة صعودية للحجم الحقيقي للفجوة الخارجية في نهاية العام الماضي.
الدخل الأولي يضغط على الحسابات الخارجية
كان العامل الأبرز وراء اتساع العجز هو تراجع رصيد الدخل الأولي، الذي انتقل من فائض إلى عجز خلال الربع الأول. وبلغ عجز الدخل الأولي 13.3 مليار دولار، بعد أن سجل فائضاً قدره 3.431 مليار دولار في الربع السابق.
ويشمل الدخل الأولي عادةً العوائد المتأتية من الاستثمارات المباشرة والأصول المالية عبر الحدود، إضافة إلى ما تدفعه الولايات المتحدة أو تتلقاه من الخارج. وعندما يتراجع هذا الرصيد، فإن ذلك يضغط على ميزان المعاملات الجارية حتى لو تحسن جزء آخر من الحسابات.
وفي المقابل، ساعد انكماش العجز التجاري جزئياً في تخفيف الأثر السلبي. فقد تقلص العجز التجاري إلى 165.8 مليار دولار من 177.3 مليار دولار في الربع الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر، إلا أن هذا التحسن لم يكن كافياً لتعويض هبوط رصيد الدخل الأولي.
وأظهرت البيانات كذلك أن إيرادات الدخل الأولي انخفضت إلى 396.1 مليار دولار من 402.2 مليار دولار في الربع السابق، بينما ارتفعت مدفوعات الدخل الأولي إلى مستوى قياسي بلغ 409.1 مليار دولار مقارنةً مع 398.8 مليار دولار في الربع الرابع.
أثر محدود على الدولار مع بقاء العملة في موقع قوة
رغم اتساع العجز، لا يُنظر عادةً إلى ميزان المعاملات الجارية بوصفه العامل الحاسم في تحريك الدولار، نظراً إلى الدور الذي تلعبه العملة الأميركية كعملة احتياط عالمية. وتاريخياً، أظهر الدولار قدرة كبيرة على التماسك حتى في فترات اتساع العجز الخارجي.
لكن حركة العملة الأميركية لم تكن معزولة عن التطورات المالية والنقدية الأوسع. فقد واصل الدولار صعوده ليبلغ أعلى مستوى له في 13 شهراً مقابل سلة من العملات الرئيسية، مدعوماً بتوجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة في ظل موجة بيع واسعة لأسهم التكنولوجيا، إلى جانب زيادة الرهانات على رفع أسعار الفائدة الأميركية.
ووفق بيانات سوق العقود الآجلة المرتبطة بتوقعات السياسة النقدية، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يوليو إلى 37 في المائة، مقارنةً بـ8.5 في المائة فقط قبل أسبوع. كما قفزت احتمالات الرفع في سبتمبر إلى 70 في المائة من 29.1 في المائة خلال الفترة نفسها.
وارتفع مؤشر الدولار إلى 101.44 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف مايو 2025، ما يعكس مزيجاً من التوقعات النقدية المتشددة والطلب المتزايد على الملاذات الآمنة.
ما الذي تعنيه هذه الأرقام للاقتصاد الأميركي؟
يعكس اتساع العجز الخارجي استمرار اعتماد الاقتصاد الأميركي على التمويل الخارجي لتغطية الفجوة بين ما يدخل البلاد من سلع وخدمات ودخل، وما يخرج منها إلى الخارج. ورغم أن هذا الوضع ليس جديداً على الاقتصاد الأميركي، فإن حجم العجز ومكوناته يظلان مؤشرين مهمين على اتجاهات الطلب المحلي والعوائد الاستثمارية الدولية.
كما أن تراجع فائض الدخل الأولي إلى عجز قد يشير إلى ضغوط على أرباح الاستثمارات الأميركية في الخارج، أو إلى ارتفاع مدفوعات العوائد إلى المستثمرين الأجانب. وفي الوقت نفسه، فإن انخفاض العجز التجاري قد يعكس تعديلات في الطلب أو في أنماط الواردات، لكنه لم ينجح هذه المرة في موازنة الصورة العامة.
وتأتي هذه البيانات في وقت تتابع فيه الأسواق الأميركية والإقليمية باهتمام مسار السياسة النقدية، لأن قوة الدولار وتوقعات الفائدة قد تؤثر في كلفة التمويل، وفي تدفقات رؤوس الأموال، وفي مزاج المستثمرين تجاه الأصول الخطرة والقطاعات الحساسة للدورات الاقتصادية.
قراءة أوسع للمشهد المالي
تضع هذه التطورات الاقتصاد الأميركي أمام مفارقة واضحة: عجز خارجي أوسع من المتوقع، مقابل عملة قوية وتوقعات برفع أسعار الفائدة. وهذه المفارقة تعكس أن حركة الأسواق لا تتحدد بعامل واحد، بل بمزيج من النمو، والتضخم، وعائدات الأصول، والسياسة النقدية، والطلب العالمي على الدولار.
وفي الأشهر المقبلة، ستبقى متابعة بيانات الحساب الجاري والدخل الأولي مهمة لفهم ما إذا كان اتساع العجز بداية لاتجاه أكثر استمراراً، أم مجرد نتيجة مؤقتة لتغيرات موسمية ومحاسبية في ربع واحد. كما ستظل قرارات الاحتياطي الفيدرالي وحركة عوائد السندات عاملين رئيسيين في تحديد مسار الدولار وتوازنات التمويل العالمية.