ثقة دولية تتجاوز التوترات
أظهر استطلاع دولي جديد أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت تحظى بدرجة مرتفعة من الثقة لدى المستثمرين العالميين، رغم استمرار الضبابية في المشهد الجيوسياسي بالمنطقة. وتكشف النتائج أن النظرة إلى الخليج لم تعد مرتبطة فقط بعوائد الطاقة، بل باتت تستند أيضاً إلى توقعات أوسع تتعلق بالنمو، والاستقرار النسبي، وتنامي الفرص في قطاعات الأعمال والبنية التحتية والتحول الاقتصادي.
وبحسب الاستطلاع، فإن 82 في المائة من المستثمرين المشاركين قالوا إنهم يثقون بالآفاق الاقتصادية المستقبلية لدول الخليج. وتعد هذه النسبة من أعلى المستويات المسجلة في العينة، وإن كانت لا تزال أقل من مستويات الثقة في الصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث جاءت النسب عند 91 في المائة و84 في المائة و84 في المائة على التوالي. كما سجلت ألمانيا 80 في المائة، فيما بلغت فرنسا 71 في المائة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن دول الخليج لا تُرى فقط كمنطقة مستقرة نسبياً في محيط متقلب، بل أيضاً كسوق واعدة للأعمال والاستثمار، خصوصاً مع استمرار مشروعات التنويع الاقتصادي والإنفاق على البنية التحتية والقطاعات غير النفطية.
الخليج كوجهة أعمال في الوقت الراهن
من أبرز نتائج الاستطلاع أيضاً أن 69 في المائة من المشاركين اعتبروا أن المنطقة تمثل حالياً وجهة جيدة أو ممتازة للاستثمار ومزاولة الأعمال. وهذه النسبة مهمة لأنها تعكس تقييماً عملياً، لا يقتصر على الرؤية المستقبلية، بل يشمل القراءة الحالية لبيئة الأعمال والفرص المتاحة في أسواق الخليج.
ويعني ذلك أن المستثمرين ينظرون إلى المنطقة باعتبارها مساحة تجمع بين فرص النمو والسيولة والإنفاق الحكومي والمشروعات الكبرى، مع قدرة واضحة على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية. كما أن هذا التصور لا يقتصر على المستثمرين في سوق بعينها، بل يمتد إلى أسواق كبرى في الغرب وآسيا، وهو ما يمنح النتائج وزناً أكبر في قراءة اتجاهات رأس المال العالمي.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة كونسولوم إن المستثمرين يتبنون رؤية طويلة الأجل تجاه اقتصادات الخليج، ويراهنون على قدرتها على مواصلة النمو والتكيف مع الظروف المتغيرة. وتنسجم هذه القراءة مع الواقع الاقتصادي في عدد من دول المجلس، حيث تتسارع خطط التحول نحو قطاعات أكثر تنوعاً مثل الخدمات اللوجستية، والسياحة، والتقنية، والتمويل، والطاقة المتجددة.
توقعات بتعاظم الدور الاقتصادي العالمي
أحد أكثر المؤشرات لفتاً في الاستطلاع هو أن 70 في المائة من المستثمرين يتوقعون أن تتعزز الأهمية الاقتصادية العالمية لدول مجلس التعاون خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذه النسبة تعكس قناعة بأن الخليج لن يحافظ فقط على موقعه الحالي، بل سيزيد من حضوره في الاقتصاد الدولي عبر التوسع في الشراكات، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير بيئة الأعمال.
وتباينت هذه التوقعات بين الأسواق. فقد كانت أعلى لدى المستثمرين في المملكة المتحدة بنسبة 78 في المائة، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، ثم الصين عند 70 في المائة، وألمانيا 65 في المائة، وفرنسا 61 في المائة. هذا التوزيع يشير إلى أن الأسواق المتقدمة لا ترى الخليج من زاوية واحدة، بل من خلال حسابات استراتيجية ترتبط بالطاقة والتمويل والتجارة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
كما أن ارتفاع هذه التوقعات في بريطانيا والولايات المتحدة والصين يعكس أن الخليج بات يُعامل باعتباره مركزاً اقتصادياً يتجاوز الإقليم، ويؤثر في تدفقات الأعمال والاستثمار بين الشرق والغرب.
الجيوسياسة لا تلغي الحسابات الاستثمارية
رغم التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أظهر الاستطلاع أن 71 في المائة من المستثمرين يتوقعون أن تنتهي الأزمة إلى اتفاق تفاوضي. وهذا يعني أن غالبية المشاركين تتعامل مع الوضع الحالي بوصفه مرحلة مؤقتة قابلة للاحتواء، وليس تهديداً دائماً يعيد رسم الخريطة الاستثمارية للمنطقة.
وجاءت هذه النظرة متقاربة عبر الأسواق الخمس التي شملها الاستطلاع، إذ بلغت 77 في المائة في المملكة المتحدة، و71 في المائة في الولايات المتحدة، و70 في المائة في فرنسا، و69 في المائة في ألمانيا، و67 في المائة في الصين. وفي القراءة الاقتصادية، يمكن تفسير ذلك بأن المستثمرين يميزون بين المخاطر القصيرة الأجل وبين الأساسيات الاقتصادية طويلة الأجل، وهو فصل مهم عند تقييم أسواق ناشئة أو شبه ناشئة مثل أسواق الخليج.
كما أن 71 في المائة من المستثمرين قالوا إنهم يؤيدون إشراك دول الخليج مباشرة في أي تسوية محتملة، سواء عبر المشاركة في المفاوضات أو القيام بدور الوسيط. ويعكس هذا الموقف اقتناعاً متزايداً بأن دول المنطقة ليست فقط أطرافاً متأثرة بالتطورات، بل جهات قادرة على الإسهام في إدارة الاستقرار الإقليمي وحماية مصالح التجارة والطاقة.
أهمية أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي
تظهر نتائج الاستطلاع أيضاً أن المستثمرين يربطون بين الاستقرار السياسي وأمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. فالملاحة الآمنة في هذه المنطقة ليست مجرد ملف أمني، بل عنصر أساسي في معادلة التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، واستمرارية الإمدادات إلى الأسواق الدولية.
ومن هنا، فإن أي تسوية سياسية تأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج وتضمن استقرار حركة الشحن ستكون أكثر قبولاً لدى المستثمرين والأسواق على حد سواء. وهذا يفسر لماذا ينظر الكثير من المستثمرين إلى الخليج باعتباره جزءاً من الحل الإقليمي، لا مجرد متلقٍ لتبعات التوترات.
كما تؤكد هذه القراءة أن البيئة الاستثمارية في الخليج باتت ترتبط بمجموعة أوسع من العوامل، تشمل البنية التنظيمية، والسياسات الاقتصادية، والقدرة على إدارة المخاطر الجيوسياسية، وليس فقط مستويات العائد المباشر أو أسعار النفط.
تقاطع لافت مع استطلاع إقليمي سابق
أشار التقرير إلى أن نتائج الاستطلاع الدولي تتسق مع استطلاع سابق أُجري في مايو 2026 وشمل مواطنين ومقيمين في السعودية والإمارات وقطر والبحرين. وقد أظهرت تلك النتائج أن الثقة المحلية لا تقل قوة عن الثقة الدولية، إذ قال 90 في المائة من المشاركين إن بلدانهم تسير في الاتجاه الصحيح، بينما أعرب 89 في المائة عن ثقتهم بالآفاق الاقتصادية المستقبلية.
كما تجاوزت الثقة بالاقتصادات الوطنية 90 في المائة في الدول الأربع المذكورة، في مؤشر على وجود انسجام نسبي بين المزاج الداخلي والمزاج الاستثماري الخارجي. ويكتسب هذا التقاطع أهمية خاصة لأنه يدعم فكرة أن برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي في المنطقة تحظى بشرعية اجتماعية، إلى جانب قبول في الأوساط الاستثمارية.
وأظهرت نتائج ذلك الاستطلاع أيضاً دعماً واسعاً لاستمرار برامج التنمية الوطنية أو تكييفها مع المتغيرات، بدلاً من وقفها. وهذه النقطة مهمة من منظور الأعمال والاقتصاد الرقمي، لأنها تعني أن الرهانات على التحول الاقتصادي ومشروعات التحديث لا تواجه فقط قبولاً حكومياً، بل أيضاً دعماً من المجتمع والمستثمرين.
قراءة أوسع لمزاج الأسواق تجاه الخليج
تشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الخليج يواصل ترسيخ صورته كمنطقة ذات وزن اقتصادي متصاعد، تجمع بين الاستقرار النسبي والمرونة في مواجهة الصدمات. كما أن النظرة الإيجابية من المستثمرين العالميين تمنح صناع السياسات والشركات العاملة في المنطقة مساحة أكبر لتوسيع الشراكات وتطوير الاستثمارات طويلة الأجل.
وفي ظل استمرار التحول الرقمي، وتنامي الاهتمام بالقطاعات غير النفطية، وتزايد الجهود لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، يبدو أن الثقة ليست مجرد مؤشر معنوي، بل عنصر اقتصادي يؤثر في قرارات الاستثمار والتوسع والتوظيف وتمويل المشروعات. ومن هذا المنطلق، تعكس نتائج الاستطلاع أن الخليج ما زال يحتفظ بجاذبيته في أعين المستثمرين، مع رهان واضح على أن هذه الجاذبية ستزداد خلال السنوات المقبلة.