عودة شهية المخاطرة تدعم العملات المشفرة
ارتفعت البتكوين إلى أعلى مستوى لها منذ نحو أسبوعين، مع تحسن واضح في مزاج المستثمرين بعد الإعلان عن اتفاق يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز. وجاءت الحركة الصاعدة في وقت عادت فيه الرغبة في المخاطرة إلى الأسواق العالمية، بعدما خفّف التطور الجديد من المخاوف المرتبطة بتعطل الإمدادات والطاقة واضطراب التجارة.
وتجاوزت أكبر عملة مشفّرة في العالم مستوى 65 ألف دولار خلال التعاملات الآسيوية، مسجلة مكاسب تجاوزت 3 في المائة. ويعكس هذا الأداء انتقال المستثمرين سريعاً إلى الأصول الأعلى مخاطرة، بعد فترة من التوترات التي ضغطت بقوة على العملات الرقمية وأسواق السلع معاً.
كما ساعدت هذه الأجواء على تعزيز التداول على بقية الأصول الرقمية الكبرى، في مؤشر على أن الارتداد لم يكن محصوراً في البتكوين وحدها، بل شمل السوق الأوسع للعملات المشفرة.
إيثريوم وسولانا وXRP تلحق بالصعود
لم يكن التحسن مقتصراً على البتكوين، إذ ارتفعت إيثريوم، ثاني أكبر العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية، بنحو 3.7 في المائة لتقترب من 1731 دولاراً. كما حققت عملات أخرى مثل سولانا وXRP مكاسب أكبر نسبياً، مستفيدة من موجة شراء شملت معظم الشريحة العالية المخاطر في السوق.
ويشير هذا التوسع في المكاسب إلى أن المستثمرين لم يكتفوا بالعودة إلى الأصل الأكبر والأكثر سيولة، بل عادوا أيضاً إلى العملات البديلة التي تتأثر عادةً بسرعة أكبر بتغيرات المزاج العام. وفي العادة، تظهر مثل هذه الحركات عندما تتراجع المخاوف الجيوسياسية أو عندما ينتعش الإقبال على الأصول المضاربية.
ويأتي هذا الصعود بعد أسابيع شهدت خلالها السوق تقلبات حادة، في ظل حالة من الحذر دفعت بعض المتعاملين إلى تقليص انكشافهم على الأصول الرقمية.
من الهبوط إلى الارتداد: تقلبات السوق تبقى حاضرة
كانت البتكوين قد هبطت في وقت سابق إلى ما دون 60 ألف دولار، وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 2024، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجياً. وجاء التراجع السابق نتيجة ضغوط بيعية متراكمة، وسط مخاوف من تباطؤ الزخم الاستثماري وتزايد عمليات التخارج من بعض المنتجات المرتبطة بالعملات المشفرة.
وتعرضت السوق أيضاً لضغوط إضافية بعدما أعلنت شركة «ستراتيجي»، التي تُعد أكبر مشترٍ مؤسسي للبتكوين، بيع جزء محدود من حيازاتها. وعلى الرغم من أن البيع كان صغيراً من حيث الحجم، فإنه أثار رد فعل نفسي واسع في سوق حساسة للغاية لأي إشارة مرتبطة بالمستثمرين الكبار.
وفي الوقت نفسه، ساهمت التدفقات الخارجة الكبيرة من صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالبتكوين في زيادة الضغط على الأسعار، ما عمّق موجة الهبوط السابقة. وتُظهر هذه التطورات أن السوق لا تزال تعتمد بشكل كبير على مزيج من السيولة المؤسسية والتوقعات الجيوسياسية في تحديد اتجاهها قصير الأجل.
مضيق هرمز يعيد تشكيل معادلة الأسواق
أحد أهم عناصر التحول الأخير كان الإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر تجاري وملاحي بالغ الأهمية لأسواق الطاقة والسلع. وقد أدى أي تهديد بإغلاقه خلال الفترة الماضية إلى زيادة القلق من اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط والغاز، ورفع مستوى التذبذب في أسواق الأصول كافة.
ويُنظر إلى المضيق بوصفه شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، لذلك فإن أي تحسن في وضعه الأمني ينعكس سريعاً على الأصول الحساسة للمخاطر، ومنها العملات المشفرة. ومع انحسار الخطر المباشر، عاد بعض المستثمرين إلى البحث عن فرص في الأسواق الرقمية، ما دعم الأسعار بشكل ملحوظ.
لكن استمرار هذا الاتجاه سيعتمد على مدى ثبات التطورات السياسية والأمنية في المنطقة، إضافة إلى قدرة السوق على استيعاب الأخبار الإيجابية من دون عودة موجات البيع السريعة التي تميز هذا القطاع.
الزخم الحالي قد يكون مؤقتاً إذا عادت الضغوط
رغم القفزة الأخيرة، يبقى السوق الرقمي عرضة لتقلبات حادة، خصوصاً في ظل ارتباطه القوي بعوامل خارجية مثل السياسة النقدية العالمية، وتحركات السيولة، والتوترات الجيوسياسية. ولهذا فإن الارتفاع الحالي قد يظل هشاً إذا عادت المخاوف من جديد أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ الطلب المؤسسي.
وفي المقابل، إذا استمرت الأوضاع في الاستقرار وبقيت شهية المخاطرة مرتفعة، فقد تستفيد البتكوين من موجة شراء أوسع تدعمها توقعات بتحسن السيولة في الأصول البديلة. كما أن عودة التدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة قد تمنح السوق دفعة إضافية، نظراً لدورها المتزايد في تشكيل اتجاه الأسعار.
وبين هذين الاحتمالين، تظل البتكوين مرآة سريعة لتقلبات الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تتداخل فيها عوامل السيولة والمؤسسات والتوترات السياسية في حركة سعرية واحدة تتغير بوتيرة عالية.