21-Jul-2026 5 دقائق قراءة

السعودية ترفع استثماراتها اللوجستية في البحر الأحمر إلى 3.73 مليارات دولار

وقعت هيئة الموانئ السعودية سبعة عقود جديدة لإنشاء وتوسعة مراكز لوجستية في جدة والخمرة، لترفع عدد المراكز في الموانئ السعودية إلى 34 مركزا ضمن خطة أوسع لتعزيز دور المملكة في التجارة والخدمات اللوجستية.

استثمارات جديدة تعزز شبكة الموانئ

رفعت السعودية وتيرة توسعها في قطاع الخدمات اللوجستية بعد توقيع الهيئة العامة للموانئ «موانئ» سبعة عقود مع شركات محلية وعالمية لإنشاء مراكز لوجستية جديدة وتوسعة مواقع قائمة في ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخمرة. وتقترب القيمة الإجمالية لهذه العقود من مليار ريال، أي ما يعادل نحو 266.6 مليون دولار، في خطوة تعكس تسارع التحول نحو بنية تحتية أكثر ارتباطا بالتجارة الإقليمية والعالمية.

وبهذه الإضافات، يصل عدد المراكز اللوجستية في الموانئ السعودية إلى 34 مركزا، بينها 17 مركزا في ميناء جدة الإسلامي وحده. كما تتجاوز الاستثمارات التراكمية في هذا البرنامج 14 مليار ريال منذ إطلاقه قبل نحو خمس سنوات، ما يشير إلى أن القطاع أصبح أحد المحاور الرئيسية في خطط المملكة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والتجارة.

من المناولة إلى منظومة متكاملة

المشاريع الجديدة لا تقتصر على زيادة المساحات أو تحسين التشغيل اليومي للميناء، بل تأتي ضمن تصور أوسع لإعادة تعريف دور الموانئ السعودية. فبدلا من الاكتفاء بعمليات التفريغ والتحميل، تتجه الاستراتيجية إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التخزين، والتوزيع، وإعادة التصدير، والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد الدولية.

هذا التحول ينسجم مع مساعي المملكة إلى رفع كفاءة قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وجعل الموانئ جزءا فاعلا من شبكة الأعمال والتجارة العابرة للحدود، وليس مجرد نقاط عبور للبضائع. كما أن هذا النموذج يتيح فرصا أكبر للقطاع الخاص في إدارة وتشغيل الأصول اللوجستية وتحويلها إلى مراكز قيمة مضافة.

جدة والخمرة في قلب التوسع

يحظى ميناء جدة الإسلامي بالحصة الأكبر من هذه الاستثمارات، إذ يضم نحو نصف المراكز اللوجستية الموجودة في الموانئ السعودية. ويعزز ذلك موقعه كأحد أهم المرافق البحرية على البحر الأحمر، خاصة مع ارتباطه المباشر بحركة التجارة القادمة من آسيا وأفريقيا وأوروبا.

أما منطقة الخمرة، فتؤدي دورا تكميليا بوصفها امتدادا لوجستيا للميناء. وتستفيد المنطقة من شبكة طرق تربطها بمطار الملك عبدالعزيز الدولي وبمناطق مختلفة داخل المملكة، ما يمنحها أهمية في عمليات التخزين والنقل السريع والتوزيع الداخلي وإعادة التصدير.

هذا الترابط بين الميناء والمنطقة اللوجستية المحيطة به يعكس توجها نحو تكامل البنية التحتية، بحيث لا تعمل الموانئ بصورة منفصلة عن سلاسل النقل الأرضي والجوي، بل كعقدة مركزية ضمن شبكة متصلة.

توسعات يقودها القطاع الخاص

تشمل التطورات الجديدة توسعة المركز اللوجستي التابع لشركة «ميرسك» داخل الميناء، عبر إنشاء ساحات حاويات ومرافق إضافية على مساحة تقارب 60 ألف متر مربع، باستثمار يصل إلى 40 مليون ريال. كما شهدت محطة الحاويات الجنوبية في ميناء جدة الإسلامي توسعة كبيرة نفذتها شركة «دي بي ورلد» بقيمة ثلاثة مليارات ريال، رفعت الطاقة الاستيعابية من 1.8 مليون إلى أربعة ملايين حاوية قياسية سنويا.

وتبرز هذه الأرقام حجم الدور الذي تلعبه الشركات العالمية في دفع تطوير البنية اللوجستية السعودية. فالمملكة تسعى إلى استقطاب شركات تشغيل وتخزين ونقل تمتلك خبرات دولية، بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويزيد تنافسية الموانئ في المنطقة.

كما يوضح هذا النهج اعتماد نموذج شراكة أوسع بين الدولة والقطاع الخاص، حيث توفر الجهات الحكومية الإطار التنظيمي والأصول الأساسية، بينما تتولى الشركات المتخصصة تطوير الأنشطة التشغيلية وإضافة القدرات الفنية والاستثمارية.

انعكاسات على سلاسل الإمداد وموقع المملكة التجاري

تأتي هذه الاستثمارات في وقت تحاول فيه السعودية ترسيخ موقعها كمركز لوجستي يربط الأسواق الإقليمية والدولية. وتستفيد المملكة من موقعها الجغرافي على البحر الأحمر، الذي يمنحها ميزة نسبية في خدمة خطوط التجارة المارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ومع توسع المراكز اللوجستية وربط الموانئ بالمناطق الصناعية ومخازن التوزيع وشبكات النقل، تصبح القدرة على إدارة سلاسل الإمداد أكثر مرونة وسرعة. وهذا عامل مهم للشركات العاملة في الاستيراد والتصدير، وللقطاعات التي تعتمد على تدفقات منتظمة من المواد الخام والمنتجات النهائية.

كما أن هذا التوسع يعزز تنافسية المملكة في مجال إعادة التصدير والخدمات ذات القيمة المضافة، وهو مسار بات يحظى بأهمية متزايدة في اقتصاد عالمي يتجه إلى تقليل زمن الشحن وتحسين الكفاءة اللوجستية وخفض التكاليف التشغيلية.

ارتباط مباشر برؤية 2030

أكد وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر أن تطوير ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخمرة ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، ومع مستهدفات رؤية السعودية 2030. ووفق هذا التوجه، فإن رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتوسيع مشاركة القطاع الخاص يمثلان عنصرين أساسيين في بناء قطاع أكثر تنافسية واستدامة.

ومن المتوقع أن تسهم المشاريع الجديدة في رفع قدرة الموانئ السعودية على التعامل مع حركة التجارة المتنامية، وتوسيع قاعدة الأنشطة المرتبطة بالتخزين والخدمات المساندة والنقل متعدد الوسائط. كما أنها تعكس انتقالا واضحا من الاعتماد على البنية البحرية التقليدية إلى نموذج اقتصادي أوسع يدمج الموانئ في قلب منظومة الأعمال والتجارة الرقمية واللوجستية.

ومع استمرار هذا المسار، تبدو السعودية في موقع يسعى إلى تحويل البحر الأحمر إلى منصة لوجستية رئيسية، تربط بين الميناء والمصنع والمخزن والسوق النهائي ضمن شبكة واحدة أكثر ترابطا وكفاءة.