الأعمال والاقتصاد الرقمي 20-May-2026 5 دقائق قراءة

مصارف أميركا تحصد أرباحاً استثنائية من تقلبات الأسواق وتجارة الأسهم

تتجه أكبر المصارف الأميركية إلى تسجيل فصل مالي قوي في الربع الثاني، مدفوعة بانتعاش التداول، ونشاط الصفقات، واستمرار الزخم في إدارة الثروات.

زخم استثنائي في نتائج البنوك

تستعد أكبر المصارف الأميركية لإعلان فصل جديد من النتائج القوية، بعدما دفعت التقلبات الحادة في الأسواق مؤسسات مالية كبرى إلى تحقيق مكاسب لافتة في التداول والخدمات المرتبطة بالصفقات. ويبدو أن الربع الثاني من العام الحالي سيكون امتداداً لفترة نشطة في القطاع، مع استفادة البنوك من ارتفاع أحجام التعاملات وتزايد رغبة العملاء في التحرك داخل الأسواق المضطربة.

وتأتي هذه التوقعات في وقت تتقاطع فيه عدة عوامل مؤثرة، من بينها التوترات الجيوسياسية، والمخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والجدل حول الائتمان الخاص، وهي عناصر خلقت بيئة أكثر حركة في الأسواق المالية. وفي مثل هذه الأجواء، تبرز المصارف الكبرى بوصفها من أبرز المستفيدين من اتساع هوامش النشاط في التداول والاستثمار المصرفي.

وتشير التقديرات الصادرة عن قيادات مصرفية بارزة إلى أن الإيرادات المرتبطة بالمبيعات والتداول مرشحة لتسجيل نمو واضح، فيما يتوقع أن تظل الخدمات الاستثمارية في مسار تصاعدي، وهو ما يعكس عودة ملحوظة للزخم بعد فترات من الحذر النسبي في الأسواق.

بنك أوف أميركا: توسع في العوائد والميزانية

أظهر «بنك أوف أميركا» ثقة كبيرة في قدرته على مواصلة الأداء القوي خلال الربع الثاني، مع توقعات بنمو إيرادات المبيعات والتداول بنحو 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويرى البنك أن هذا التحسن يستند إلى بيئة تداول أكثر نشاطاً، وإلى توسيع الميزانية العمومية بما يدعم القدرة على اقتناص الفرص في الأسواق والاستثمار التقني.

ويأتي هذا التفاؤل بعد نتائج قوية للغاية في الربع الأول، عندما حقق المصرف أفضل أداء ربعي له منذ نحو عقدين في بعض الأنشطة، مستفيداً خصوصاً من قوة مكتب تداول الأسهم. هذا الزخم لم يقتصر على التداول فقط، بل امتد أيضاً إلى قطاعات أخرى ضمن منظومة البنك، مثل إدارة الثروات والخدمات المرتبطة بها.

وفي جانب الدخل من الفوائد، يتوقع البنك أن يكون الأداء جيداً وقوياً خلال الربع الحالي، مع إمكانية الاقتراب من الحد الأعلى للنطاق السنوي المستهدف لنمو هذا البند، والذي يتراوح بين 6 و8 في المائة. كما يرجح أن تسجل إيرادات إدارة الثروات نمواً يقترب من 13 في المائة، ما يعكس اتساع قاعدة الاستفادة من النشاط المصرفي المتعدد.

ورغم هذه الوتيرة المرتفعة في الإيرادات، يواصل البنك ضبط تكاليفه بحذر، مستهدفاً الحفاظ على الرافعة التشغيلية عند مستويات قريبة من الربع الأول. ويعني ذلك أن نمو الإيرادات يجب أن يظل أسرع من نمو المصروفات، بما يسمح بتحويل الزخم الحالي إلى نتائج أكثر استدامة على مستوى الأرباح.

جي بي مورغان: ربع تاريخي محتمل

أما «جي بي مورغان تشيس»، أكبر بنك أميركي من حيث الأصول، فيتوقع هو الآخر أداءً استثنائياً في الأسواق خلال الربع الثاني. وتشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق زيادة في إيرادات الأسواق بنسبة 11 في المائة، ما قد يجعل الفترة الحالية ثاني أفضل ربع سنوي في تاريخ هذا النشاط داخل البنك.

ولا تقف التوقعات عند التداول وحده، إذ رجح البنك أيضاً نمو رسوم الصيرفة الاستثمارية بنسبة 10 في المائة أو أكثر، مدفوعاً بحركة نشطة في الطروحات والصفقات. ويعكس ذلك عودة تدريجية للثقة لدى الشركات والمستثمرين، حتى في ظل مشهد اقتصادي عالمي تتخلله ضبابية ومخاطر سياسية ومالية.

وتحدثت إدارة البنك عن بيئة عمل نشطة للغاية، مشيرة إلى أن الشركات والجهات المرتبطة بالصفقات تعيش حالة من الحراك المكثف. وفي الوقت نفسه، يرى البنك أن هذا النشاط سيترجم أيضاً إلى إنفاق أعلى على مكافآت المتداولين وعلى دعم القدرات التشغيلية، بما قد يضيف مليار دولار إلى الإنفاق السنوي مقارنة بالتقديرات السابقة.

كما لا يستبعد البنك أن تظهر فرصة لصفقة استحواذ كبيرة خلال العامين المقبلين، إذا ما تراجعت أسعار الأصول المرتفعة حالياً. ويعكس هذا الطرح قناعة لدى الإدارة بأن السوق ما زالت تحفل بالفرص، وأن التقييمات قد تفتح باباً لعمليات اندماج واستحواذ جديدة عند تغير ظروف التسعير.

اقتصاد أميركي متماسك رغم الضغوط

ترى القيادات المصرفية في وول ستريت أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يتمتع بقدر واضح من الصلابة، رغم الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. ويستند هذا الرأي إلى استمرار الإنفاق الاستهلاكي والتجاري، وإلى بقاء معدلات البطالة عند مستويات مستقرة نسبياً، وهو ما يمنح القطاع المالي أساساً داعماً للنمو.

في هذا السياق، تبدو الأسواق المالية كأنها تتحرك داخل بيئة مركبة: من جهة، تفرض المخاطر السياسية والاقتصادية حالة من الحذر؛ ومن جهة أخرى، تولد هذه المخاطر نفسها فرصاً أكبر للبنوك العاملة في التداول وإدارة الأصول وتمويل الصفقات. لذلك، فإن ارتفاع التذبذب في الأسواق لا يُنظر إليه فقط باعتباره عامل ضغط، بل أيضاً كمحرك مباشر للإيرادات في المصارف الكبرى.

ويظهر ذلك بوضوح في أداء أنشطة المبيعات والتداول، التي تستفيد عادة من اتساع الفروق السعرية وارتفاع حجم الأوامر في الفترات المتقلبة. كما أن نشاط الاستثمار المصرفي يستفيد من رغبة الشركات في إعادة ترتيب مراكزها المالية أو الاستفادة من تحسن المزاج الاستثماري في بعض الشرائح من السوق.

إدارة الثروات والامتداد نحو مجالات جديدة

لا يقتصر أثر البيئة الحالية على غرف التداول، بل يمتد أيضاً إلى إدارة الثروات والخدمات المصرفية الموجهة للأفراد ذوي الملاءة العالية. ومع تزايد الاهتمام بتوزيع المحافظ والتحوط من المخاطر، تجد البنوك الكبرى فرصة لتوسيع قاعدة عملائها وتعزيز الرسوم المتأتية من هذه الخدمات.

وفي الوقت نفسه، تواصل المصارف الأميركية الاستثمار في التكنولوجيا وتحسين البنية التشغيلية لدعم قدرتها على المنافسة. وتعد هذه الاستثمارات جزءاً من معركة أوسع في القطاع المالي، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بحجم الأصول أو الانتشار الجغرافي، بل أيضاً بسرعة التنفيذ ومرونة المنصات الرقمية وجودة الأدوات التحليلية.

هذا التحول ينسجم مع رغبة البنوك في تحويل التقلبات إلى مصدر مستدام للدخل، بدلاً من النظر إليها كعامل مؤقت. فكلما ازدادت السيولة والحركة في الأسواق، ازدادت الحاجة إلى خدمات التداول، وتنفيذ الصفقات، والاستشارات، وإدارة المخاطر، وهي مجالات تتصدرها المصارف الكبرى في الولايات المتحدة.

ماذا يعني ذلك للربع المقبل؟

إذا استمرت البيئة الحالية على وتيرتها نفسها، فقد يخرج القطاع المصرفي الأميركي من الربع الثاني بنتائج تتجاوز التوقعات السابقة، مع تركيز خاص على إيرادات الأسواق والاستثمار المصرفي. غير أن هذه الطفرة تبقى مرتبطة إلى حد كبير باستمرار التقلبات، ما يعني أن الأرباح القوية قد تتغير سرعتها إذا ما هدأت الأسواق أو تبدلت شهية المخاطرة.

ومع ذلك، فإن الصورة العامة توحي بأن البنوك الأميركية الكبرى دخلت مرحلة تستفيد فيها من كل من النشاط المالي والاضطراب الجيوسياسي والقلق المتعلق بالتكنولوجيا والائتمان. وفي مثل هذا المشهد، تظل المؤسسات الأكثر تنوعاً والأقدر على التحرك السريع هي الأقرب إلى تحقيق أفضل النتائج، سواء على مستوى التداول أو إدارة الثروات أو خدمات التمويل والاستثمار.