22-Jul-2026 6 دقائق قراءة

العراق يضغط لزيادة حصة أوبك وسط أزمة إيرادات واستثمارات نفطية جديدة

تسعى بغداد إلى رفع حصتها الإنتاجية في أوبك مع تصاعد الضغوط المالية بعد اضطرابات الحرب وتزايد التزامات شركات النفط العالمية بمشاريع جديدة داخل العراق.

تواجه بغداد ضغوطاً مالية متزايدة تدفعها إلى المطالبة بحصة إنتاجية أكبر داخل تحالف أوبك، في وقت أعادت فيه استثمارات ضخمة من شركات النفط العالمية تسليط الضوء على طموحات العراق لرفع إنتاجه وتعظيم عائداته.

وتأتي هذه المطالبة في سياق اقتصادي حساس، إذ تسببت الحرب بين إيران وإسرائيل في اضطراب كبير لتدفقات التصدير، ما انعكس مباشرة على إيرادات دولة يعتمد تمويلها العام بشكل أساسي على النفط. ومع تقلص العوائد، باتت الحكومة العراقية ترى أن زيادة الحصة الإنتاجية قد تكون وسيلة سريعة لتعويض الخسائر واستعادة السيولة.

ضغوط مالية تدفع نحو موقف أكثر صرامة

يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على النفط، ما يجعل أي تعطل في التصدير أو خفض في الإنتاج عاملاً مؤثراً في المالية العامة. وبحسب بيانات البنك الدولي، شكل النفط نحو 88% من إيرادات الحكومة العراقية في العام الماضي، وهي نسبة مرتفعة حتى مقارنة بدول نفطية أخرى داخل أوبك.

هذا الاعتماد الحاد على الخام يفسر إصرار بغداد على المطالبة بمراجعة حصتها الإنتاجية، خصوصاً بعد أن تراجعت الشحنات خلال فترة الاضطرابات المرتبطة بالحرب وما تبعها من تأثيرات على الملاحة والتصدير. ويرى مسؤولون ومقربون من قطاع الطاقة أن الرسالة العراقية بسيطة: المزيد من البراميل يعني المزيد من الدخل.

استثمارات نفطية جديدة تعزز الطموحات

إلى جانب الضغط المالي، شجعت سلسلة من الاتفاقات الاستثمارية الضخمة العراق على التمسك بطموحه لزيادة الإنتاج. فقد أعلنت شركات عالمية كبرى عن مشاريع طويلة الأجل في البلاد، في إشارة إلى عودة الثقة التدريجية إلى أحد أهم أسواق الطاقة في المنطقة.

ومن بين هذه المشاريع التزام من BP بما يصل إلى 25 مليار دولار لإعادة تطوير أربعة حقول كبيرة في كركوك، ومشروع بقيمة 10 مليارات دولار تنفذه TotalEnergies في البصرة. كما وقعت ExxonMobil اتفاقاً لتطوير حقل مجنون العملاق، فيما تدرس Chevron أيضاً إمكانية العودة إلى السوق العراقية.

هذه الاستثمارات لا تعكس فقط اهتمام الشركات بالموارد العراقية، بل تمنح الحكومة حجة إضافية عند مطالبتها بزيادة الحصة الإنتاجية، إذ ترى بغداد أن التزام الشركات الكبرى يجب أن يقابله مجال أوسع لرفع الإنتاج وتحقيق إيرادات أعلى.

القدرة الإنتاجية أكبر من الحصة الحالية

تشير تقديرات دولية إلى أن العراق قادر من حيث الطاقة الإنتاجية على ضخ كميات تفوق حصته الحالية في أوبك. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تبلغ القدرة الإنتاجية العراقية نحو 4.9 مليون برميل يومياً، مع إمكانية بلوغ هذا المستوى خلال فترة لا تتجاوز 90 يوماً في حال توفرت الظروف التشغيلية المناسبة.

لكن الحصة المقررة للعراق في يوليو تبلغ 4.378 مليون برميل يومياً، أي أقل من المستوى الذي تقول التقديرات إنه يمكن الوصول إليه. وهذا الفارق هو جوهر النزاع الحالي، إذ ترى بغداد أن قيود أوبك لا تعكس بالكامل إمكاناتها الحالية ولا حجم الحاجة المالية التي تواجهها.

وفي مايو، أنتج العراق نحو 1.48 مليون برميل يومياً وفق بيانات أوبك، بعد أن كان الإنتاج يقارب 4.2 مليون برميل يومياً في فبراير قبل توقف فعلي في ممرات التصدير. ويظهر هذا التراجع مدى حساسية الاقتصاد العراقي تجاه أي صدمة جيوسياسية أو لوجستية.

طموحات بعيدة المدى ومخاوف التنفيذ

لا تقتصر خطة العراق على رفع الحصة الحالية فحسب، بل تمتد إلى هدف أبعد يتمثل في الوصول إلى إنتاج يبلغ 7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة. ويعد هذا الرقم، إذا تحقق، قفزة كبيرة مقارنة بالمستويات الراهنة، لكنه يواجه تحديات ضخمة تتعلق بالبنية التحتية والتشغيل والاستثمار.

ويرى محللون أن الوصول إلى هذا المستوى يبدو طموحاً للغاية في ظل القيود القائمة، خصوصاً في ما يتعلق بممرات التصدير والقدرة على نقل الخام بكفاءة. كما أن تحسين الإنتاج لا يعتمد فقط على ضخ الأموال، بل يحتاج أيضاً إلى تحديث الشبكات اللوجستية وحل الاختناقات الفنية المتراكمة منذ سنوات.

وتذكّر هذه الطموحات بمحاولات سابقة لم تكتمل، من بينها خطة عراقية قديمة لرفع القدرة الإنتاجية إلى 12 مليون برميل يومياً، لكنها تقلصت لاحقاً بعد مفاوضات مع شركات دولية وخشية من ارتفاع معدلات التراجع الطبيعي في الحقول وعدم كفاية الاستثمار في البنية الأساسية.

تحديات البنية التحتية وثقة المستثمرين

رغم عودة الشركات الكبرى، لا يزال العراق يواجه مشكلات قد تعيق ترجمة العقود الجديدة إلى زيادة مستدامة في الإنتاج. فالمحللون يشيرون إلى أن الفجوة بين التزامات الاستثمار والقدرة الفعلية على التنفيذ ما زالت كبيرة، وأن البيئة التشغيلية في البلاد لم تصل بعد إلى درجة الاستقرار المطلوبة.

وتشمل أبرز التحديات ضعف البنية التحتية، ومحدودية قنوات التصدير، والغموض التنظيمي، إلى جانب مخاطر أمنية وسياسية قد تؤخر تنفيذ المشاريع. كما أن تجارب سابقة مع التأجيلات والصعوبات الإدارية جعلت بعض الشركات أكثر حذراً في تقييم السوق العراقية.

وبحسب خبراء في قطاع الطاقة، فإن استعادة الثقة الكاملة تتطلب وقتاً أطول من مجرد توقيع الاتفاقات، لأن التنفيذ في صناعة النفط العراقية يرتبط بعوامل تتجاوز حجم التمويل إلى قدرة الدولة على إدارة المشاريع وحماية مسارات التصدير.

معادلة أوبك أكثر تعقيداً بعد الحرب

تأتي المطالب العراقية في وقت تواجه فيه أوبك تحديات داخلية وخارجية أكبر من المعتاد. فالحرب وما أعقبها من اضطرابات أرهقت توازنات الإنتاج داخل المجموعة، وزادت من حساسيات أعضاء الخليج، خصوصاً مع التوترات المتصاعدة حول الإمدادات والأسواق.

وفي هذا السياق، يصبح أي نقاش حول الحصص أكثر تعقيداً، لأن زيادة حصة دولة كبيرة مثل العراق قد تثير مطالب موازية من أعضاء آخرين أو تدفع إلى إعادة النظر في التوازنات القائمة داخل التحالف.

ورغم أن بغداد لم تحسم أي خطوة بشأن الخروج من أوبك، فإن مجرد طرح الفكرة يعكس حجم الضغوط التي تواجهها. وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة أن الأولوية هي جذب الاستثمار الأميركي والأجنبي، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر تنوعاً واستقراراً، مع بقاء النفط في قلب المعادلة.

خلاصة المشهد

ينظر العراق إلى زيادة حصته في أوبك باعتبارها جزءاً من استجابة أوسع لأزمة إيرادات حادة وفرصة جديدة لاستثمار موجة الاهتمام العالمي بقطاعه النفطي. لكن الطريق إلى ذلك لا يزال محفوفاً بعقبات فنية وتنظيمية وسياسية قد تحد من سرعة التنفيذ.

وبين الحاجة إلى المزيد من البراميل، والوعود الاستثمارية الجديدة، وضغوط أوبك، يحاول العراق إعادة رسم موقعه في سوق الطاقة العالمية. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد في النهاية على قدرته على تحويل الخطط إلى بنية تحتية قادرة على الإنتاج والتصدير المستدامين.