منصة دولية لجذب الاستثمار
كثّفت السعودية حضورها في معرض «يوروساتوري 2026» للدفاع والأمن في باريس، مستفيدة من الحدث الدولي لعرض الفرص الاستثمارية المتاحة في الصناعات العسكرية، وتسليط الضوء على البيئة التنظيمية التي تدعم دخول المستثمرين المحليين والأجانب إلى هذا القطاع. وجاءت المشاركة ضمن مسار أوسع يهدف إلى تحويل الصناعات الدفاعية إلى أحد مكونات التنويع الاقتصادي، عبر بناء قاعدة إنتاجية أكثر عمقاً وربطها بالشراكات الدولية.
ووفق المعطيات المعلنة خلال المعرض، شاركت عشر جهات حكومية وخاصة إلى جانب «هيئة الصناعات العسكرية» في الجناح السعودي، في مؤشر على تنسيق مؤسسي يربط بين الجهات التنظيمية والقطاعات التشغيلية والشركات الوطنية. هذا النوع من الحضور لا يقتصر على الترويج، بل يعكس محاولة لتقديم القطاع كبيئة أعمال قابلة للنمو، ومدعومة بمستهدفات واضحة في التوطين وسلاسل التوريد والتقنيات المتقدمة.
الرسالة الأساسية التي حملتها المشاركة السعودية تمثلت في التأكيد على الانفتاح على المستثمرين من مختلف الأسواق، وتهيئة مسار أكثر وضوحاً للشراكات التي تسهم في نقل المعرفة وتطوير القدرات المحلية. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في قطاع يرتبط عادةً بقيود تقنية وتنظيمية عالية، ما يجعل وضوح السياسات وحجم الطلب الحكومي عاملين حاسمين في قرارات الشركات العالمية.
شراكات مع الشركات العالمية
على هامش المعرض، عقد محافظ الهيئة المهندس أحمد العوهلي اجتماعات مع مسؤولين وممثلين عن شركات دفاعية عالمية، من بينها لقاء مع المفوض العام للمديرية العامة للتسليح الفرنسية باتريك بابلوكس. وتركزت المباحثات على فرص التعاون، وتبادل الخبرات، وبناء مشاريع مشتركة يمكن أن تدعم تطوير قطاع أكثر استدامة وكفاءة.
هذا المسار يعكس توجهاً عملياً يقوم على تحويل المعارض الدولية إلى منصات للتفاوض حول استثمارات طويلة الأجل، بدلاً من الاكتفاء بعرض القدرات القائمة. فالشركات العالمية الكبرى تبحث عادة عن أسواق تتمتع بوضوح تنظيمي، وحجم طلب مستقر، وإمكانية تأسيس سلاسل إمداد محلية تقلل التكاليف وتمنحها مرونة تشغيلية أكبر.
كما شهدت المشاركة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، في خطوة تشير إلى انتقال القطاع من مرحلة التأسيس المؤسسي إلى مرحلة أعمق من بناء العلاقات التجارية والصناعية. وتُعد هذه الاتفاقيات أداة مهمة لتسريع تكامل الخبرات الدولية مع القدرات الوطنية، سواء في مجالات التصنيع أو الخدمات الفنية أو دعم الإمداد واللوجستيات.
سلاسل الإمداد والتصنيع المحلي
نظّمت الهيئة خلال المعرض ورشة عمل بعنوان «تنمية سلاسل الإمداد في الصناعات العسكرية»، ركزت على دور البيئة الاستثمارية الجاذبة في بناء اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً. وتكشف هذه العناوين عن أن التحدي لم يعد مقتصراً على جذب المصانع أو العقود، بل يشمل أيضاً إنشاء منظومة متكاملة من الموردين والمشغلين ومقدمي الخدمات الفنية.
في القطاعات الدفاعية، تُعد سلاسل الإمداد جزءاً أساسياً من القدرة التنافسية، لأن أي مصنع أو مشروع لا يمكنه العمل بكفاءة من دون شبكة محلية أو إقليمية تضمن استمرارية المواد الأولية والقطع والتقنيات والدعم الهندسي. ولهذا، فإن تطوير هذه السلاسل يمثل عنصراً محورياً في استراتيجيات التوطين، ووسيلة لرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
كما أظهر الجناح السعودي نماذج من القدرات الصناعية والخدمية الوطنية، إلى جانب تقنيات مبتكرة قدمتها شركات سعودية مشاركة. ويمثل هذا النوع من العرض محاولة لإثبات أن السوق المحلية لم تعد تقتصر على الطلب الحكومي، بل باتت تمتلك شركات قادرة على إنتاج حلول وخدمات تنافسية يمكن توسيعها مستقبلاً نحو أسواق خارجية.
نمو اقتصادي وتقدم في التوطين
أبرزت الهيئة خلال المعرض مؤشرات النمو السريع للقطاع خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت مساهمة الصناعات العسكرية في الناتج المحلي من 2.2 مليار ريال في 2021 إلى 6.6 مليار ريال في 2024، وهو تطور يعكس توسع النشاط الصناعي وازدياد الأثر الاقتصادي لهذا القطاع خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وفي الوقت نفسه، وصلت نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى نحو 25 في المائة في 2024، مقارنة بهدف يتجاوز 50 في المائة بحلول 2030. ويشير هذا المسار إلى أن القطاع يسير في اتجاه تصاعدي، وإن كان لا يزال أمامه مجال واسع لاستكمال بناء منظومة محلية أكثر عمقاً تشمل التصنيع والبحث والتطوير والخدمات المساندة.
من الناحية الاقتصادية، يكتسب هذا التقدم أهمية لأنه يربط الإنفاق الدفاعي بأثر داخلي أكبر، بدلاً من بقائه مجرد مشتريات خارجية. فكلما زادت نسبة التوطين، ارتفعت فرص خلق الوظائف المتخصصة، وتحفيز الاستثمار الصناعي، وتعزيز الطلب على الخدمات التقنية والهندسية، وهو ما ينعكس على الناتج المحلي وعلى قدرة الاقتصاد على تنويع مصادر النمو.
دلالات استراتيجية للاقتصاد الوطني
تشير المشاركة السعودية في «يوروساتوري 2026» إلى أن الصناعات العسكرية باتت تُدار بوصفها ملفاً اقتصادياً واستثمارياً إلى جانب كونها ملفاً تقنياً وأمنياً. فالجمع بين الأهداف الاستراتيجية ومتطلبات السوق يتيح للمملكة بناء قطاع قادر على جذب المستثمرين وتوسيع القاعدة الصناعية في الوقت ذاته.
كما أن الحضور المشترك للجهات الحكومية والخاصة يرسل إشارة إلى المستثمرين بأن البيئة المحلية تتجه نحو تكامل أكبر بين التنظيم والتشغيل والتمويل. وفي مثل هذه القطاعات الحساسة، غالباً ما يكون وضوح الرؤية الحكومية، واستقرار السياسات، وتعدد الشركاء المحليين، عناصر أساسية لتقليل المخاطر وتعزيز الثقة.
من جانب آخر، يمنح هذا التوجه الشركات الوطنية فرصة أكبر للظهور في الأسواق العالمية، ليس فقط كمورد محلي، بل كشريك في سلاسل الإنتاج والتطوير. ومع اتساع شبكة العلاقات مع الشركات الدولية، يصبح انتقال المعرفة أكثر سهولة، ما يدعم بناء قاعدة صناعية قابلة للنمو على المدى الطويل.
وبين ارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتزايد نسب التوطين، وتكثيف الشراكات الدولية، تبدو الصناعات العسكرية السعودية في مرحلة انتقالية مهمة، تتجه فيها من نموذج يعتمد بدرجة أكبر على الاستيراد إلى نموذج أكثر التصاقاً بالتصنيع المحلي وتطوير القدرات الوطنية.