الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 5 دقائق قراءة

انتقادات في مصر لإنفاق حكومي على المدن الجديدة ومشروعات البنية التحتية

وزير تموين مصري أسبق ينتقد توسع الدولة في مشروعات عمرانية وبنية تحتية واسعة، معتبرا أن بعضها لا يحقق عائدا اقتصاديا متناسبا مع حجم الإنفاق والاقتراض المرتبط به.

جدل حول جدوى المشروعات العمرانية

أثار وزير التموين المصري الأسبق، علي المصيلحي عبد الخالق، نقاشا جديدا حول سياسات الإنفاق الحكومي في مصر، بعدما انتقد توسع الدولة في تنفيذ مشروعات عمرانية وبنية تحتية ضخمة خلال السنوات الأخيرة. واعتبر أن جزءا من هذه المشروعات يستهلك موارد عامة كبيرة من دون أن يحقق عائدا اقتصاديا يوازي حجم التمويل المخصص له.

وتتركز ملاحظاته على نمط الإنفاق المرتبط بإنشاء المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية الحديثة، في وقت ما تزال فيه مدن قائمة تواجه ضغوطا في الخدمات الأساسية والبنية التحتية. ويعكس هذا الطرح جدلا أوسع حول كيفية توزيع الموارد بين التوسع الأفقي في العمران وبين تحسين كفاءة المدن القائمة.

المدن الجديدة تحت المجهر

أشار عبد الخالق إلى أن مشروعات مثل العلمين الجديدة والقاهرة الجديدة تتطلب استثمارات ضخمة في الطرق وشبكات المرافق والصرف الصحي والخدمات العامة، وهو ما يرفع التكلفة الإجمالية للمشروعات إلى مستويات عالية. وبحسب تقديره، فإن هذا النوع من التوسع يفرض أعباء مالية إضافية على الدولة، خاصة عندما يجري في مناطق صحراوية تحتاج إلى إنشاء بنية تحتية كاملة من الصفر.

ويرى أن تكلفة التوسع لا تتوقف عند مرحلة البناء الأولى، بل تمتد إلى تشغيل المرافق وصيانتها وتوفير عناصر الجذب السكاني والاقتصادي اللازمة لنجاح هذه المدن على المدى الطويل. لذلك شدد على أهمية إجراء دراسات دقيقة قبل ضخ المزيد من الموارد في هذا المسار.

الاقتراض ودور دراسات الجدوى

انتقد الوزير الأسبق أيضا ما وصفه بالاعتماد المتزايد على الاقتراض لتمويل بعض المشروعات قبل اكتمال تنفيذها. ولفت إلى أن هذا الأسلوب يزيد من الضغوط على الموازنة العامة، خصوصا إذا لم تكن هناك رؤية واضحة للعائد المتوقع، سواء كان عائدا ماليا مباشرا أو أثرا اقتصاديا واجتماعيا قابلا للقياس.

وفي رؤيته، لا تكفي النوايا التنموية وحدها لتبرير الإنفاق، بل يجب أن يسبق أي مشروع تقدير واضح للتكلفة والعائد، مع تحديد ما إذا كان سيؤدي إلى زيادة الإنتاج أو خلق فرص عمل أو تحسين ملموس في مستوى الخدمات. وبدون هذه الحسابات، تصبح بعض المشروعات أقرب إلى عبء مالي منها إلى أداة نمو.

تمييز بين الاستثمار المنتج وغير المنتج

فرّق عبد الخالق بين الاستثمارات التي توسع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وتحقق مردودا واضحا، وبين مشروعات أخرى يرى أن عائدها غير ظاهر أو محدود. واستشهد في هذا السياق بمشروع ممشى أهل مصر، معتبرا أنه لا يضيف قيمة اقتصادية تتناسب مع حجم الإنفاق عليه، خاصة إذا كانت الاستفادة منه مرتبطة برسوم يتحملها المواطنون.

كما أشار إلى أن بعض مشروعات البنية التحتية، ومنها توسعات طريق مصر - الإسكندرية الصحراوي، استفادت منها شرائح محددة أكثر من غيرها. ومن وجهة نظره، يثير هذا النوع من الإنفاق أسئلة حول العدالة في توزيع الموارد العامة وأولوية توجيهها إلى المشروعات الأكثر حاجة أو الأعلى أثرا على الاقتصاد الكلي.

الحكومة تدافع عن استراتيجية التوسع

تأتي هذه الانتقادات في وقت تواصل فيه الحكومة المصرية تنفيذ خطة واسعة للتوسع العمراني خارج الوادي والدلتا، ضمن استراتيجية تهدف إلى إعادة توزيع السكان وتخفيف الضغط على المدن القديمة. وتؤكد الحكومة أن المدن الجديدة ليست مجرد مشروعات عقارية، بل استثمارات طويلة الأجل تستهدف جذب السكان والأنشطة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.

وتقوم هذه الرؤية على أن التوسع العمراني يمكن أن يفتح مجالات للنمو في قطاعات متعددة، من البناء والإنشاءات إلى النقل والخدمات والتجارة. كما تراهن السلطات على أن البنية التحتية الحديثة ستدعم في النهاية نشاطا اقتصاديا أوسع وتساعد على تحسين جودة الحياة في مناطق جديدة.

الدعوة إلى رقابة برلمانية أقوى

في سياق أوسع، دعا عبد الخالق إلى تعزيز دور البرلمان في مراجعة مشروع الموازنة العامة ومناقشة أولويات الإنفاق بصورة أكثر فاعلية. وبرأيه، فإن معالجة الاختلالات المالية لا تقتصر على القرارات التنفيذية، بل تحتاج أيضا إلى رقابة تشريعية ومساءلة أوضح بشأن جدوى المشروعات وطريقة تمويلها.

ويرى أن الإصلاح المالي الحقيقي يتطلب قدرا أكبر من الشفافية في عرض البدائل، إلى جانب نقاش عام يوازن بين التوسع في المشروعات القومية وبين الاحتياجات العاجلة للخدمات الأساسية والقطاعات الإنتاجية. وفي ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، يبقى السؤال الرئيسي حول أي نوع من الإنفاق يمكن أن يحقق أفضل أثر اقتصادي واجتماعي على المدى الطويل.

وبينما تستمر الحكومة في الترويج لمشروعاتها باعتبارها رافعة للنمو وإعادة توزيع التنمية، تصر الأصوات المنتقدة على أن الأولوية يجب أن تُمنح للمشروعات ذات العائد المباشر والأكثر ارتباطا بإنتاجية الاقتصاد واستدامة الموازنة العامة.