توقعات أقل تفاؤلاً للاقتصاد الألماني
خفض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد الألماني خلال العام الجاري وحتى عام 2027، في إشارة إلى استمرار الضغوط التي تواجه أكبر اقتصاد في أوروبا في بيئة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين. ويأتي هذا التعديل بينما لا تزال التجارة العالمية والطاقة والاستثمار تتأثر بعوامل خارجية وجيوسياسية معقدة.
وبحسب التوقعات الجديدة، يتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد الألماني نمواً قدره 0.7% في العام الحالي، أي أقل بمقدار 0.1 نقطة مئوية من تقديراته السابقة. كما جرى خفض توقعات 2027 إلى 1%، بعد أن كانت أعلى بمقدار 0.2 نقطة مئوية في أحدث مراجعة سابقة.
ويعكس هذا المسار الحذر أن التعافي في ألمانيا لا يزال أبطأ من المطلوب لدفع الاقتصاد إلى وتيرة نمو أكثر صلابة، خصوصاً في ظل ضعف الطلب الخارجي وارتفاع التكاليف المرتبطة بالطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد.
منطقة اليورو تحت ضغط تباطؤ مماثل
لم تقتصر المراجعة على ألمانيا، إذ خفض صندوق النقد توقعاته لنمو منطقة اليورو أيضاً إلى 0.9% هذا العام، بانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن التقدير السابق. أما في 2027، فيتوقع الصندوق أن يتحسن الأداء قليلاً ليصل النمو إلى 1.2%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التباطؤ لا يقتصر على اقتصاد بعينه، بل يطال بيئة النمو الأوروبية ككل، مع تفاوت في قدرة الدول الأعضاء على امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية. كما أن الطلب الصناعي الضعيف والضغوط على الاستثمار الخاص يواصلان التأثير على المسار العام للنشاط الاقتصادي في القارة.
وفي الاقتصادات الكبرى داخل منطقة اليورو، يبقى القطاع الصناعي من أكثر القطاعات حساسية للتقلبات في أسعار الطاقة والطلب العالمي، فيما يواجه قطاع الخدمات بدوره تحديات تتعلق بتباطؤ الاستهلاك وتراجع الثقة.
افتراضات الصندوق بشأن الطاقة والملاحة
استندت تقديرات صندوق النقد إلى فرضية أساسية مفادها أن حركة الملاحة في مضيق هرمز ستعود تدريجياً إلى وضعها الطبيعي خلال الفترة المقبلة، بما يسمح بإعادة الاستقرار إلى إمدادات الطاقة بحلول 2027. كما يفترض الصندوق أن المخزونات الاستراتيجية ستساعد في تجنب صدمات حادة في الإمدادات.
وتحظى هذه الفرضية بأهمية خاصة لأن مضيق هرمز يعد من أكثر الممرات البحرية حساسية في تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على الأسعار وتكاليف النقل والتأمين، ومن ثم على التضخم والنشاط الاقتصادي في الأسواق الكبرى المستوردة للطاقة.
لكن هذه الخلفية لا تبدو مستقرة بالكامل، إذ إن استمرار التوترات الإقليمية يرفع من مستوى المخاطر التي تواجه أي سيناريو يقوم على تحسن تدريجي وسلس في الإمدادات. وفي مثل هذه الظروف، تصبح توقعات النمو مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات الجغرافيا السياسية بقدر ارتباطها بالمؤشرات الاقتصادية التقليدية.
تصاعد المخاطر الجيوسياسية يربك الحسابات
تزداد الضبابية بعد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو عامل قد يرفع احتمالات اضطراب أسواق النفط ويضغط على التوقعات الخاصة بالنمو والتضخم معاً. ووفق تقارير إعلامية، نفذ الجيش الأمريكي ضربات استهدفت مواقع داخل إيران، في رد على هجمات طالت ناقلات نفط في مضيق هرمز، بالتوازي مع إعادة فرض عقوبات أمريكية على صادرات النفط الإيرانية.
وفي المقابل، أعلنت طهران استعدادها للرد على الضربات الأمريكية، فيما أفادت تقارير لاحقة بوقوع هجوم في الكويت، إلى جانب إطلاق صفارات إنذار في البحرين. وهذه التطورات، إذا استمرت أو اتسعت، قد تدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر أعلى على إمدادات الطاقة، وهو ما ينعكس عادة على شركات النقل والصناعة والتجارة عبر سلاسل قيمة مترابطة.
ومن منظور الاقتصاد العالمي، لا تقتصر آثار التصعيد المحتمل على منطقة واحدة، بل تمتد إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية عبر قنوات متعددة، بينها أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى تراجع شهية الاستثمار في القطاعات الحساسة للتقلبات.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد الألماني؟
بالنسبة إلى ألمانيا، يمثل أي اضطراب جديد في الطاقة أو التجارة تحدياً مضاعفاً، لأن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعة والتصدير. ومع استمرار الضغوط على قطاعي التصنيع والسيارات والآلات، يصبح النمو أكثر عرضة للتقلبات المرتبطة بالطلب الخارجي وأسعار المدخلات الأساسية.
كما أن تراجع التوقعات حتى 2027 يشير إلى أن العودة إلى مستويات نمو أقوى قد تستغرق وقتاً أطول مما كان مرجحاً سابقاً. وتبقى قدرة الحكومة والقطاع الخاص على رفع الاستثمار وتعزيز الإنتاجية وتحسين كفاءة الطاقة من العوامل الحاسمة لتجاوز هذا المسار البطيء.
وفي المحصلة، تعكس مراجعة صندوق النقد الدولي أن البيئة الاقتصادية في ألمانيا ومنطقة اليورو لا تزال رهينة لمزيج من التباطؤ الداخلي والاضطرابات الخارجية. وبينما تبدو الأرقام المعدلة أقل تفاؤلاً، فإن مسار الأشهر المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على تطور أسعار الطاقة واستقرار طرق التجارة ومدى نجاح الاقتصادات الأوروبية في الحفاظ على الطلب والاستثمار.