تراجع محدود مدفوع بعوامل العرض والطلب
سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا انخفاضاً طفيفاً خلال جلسة الثلاثاء، في ظل مزيج من العوامل التي ضغطت على السوق، أبرزها توقعات ارتفاع إنتاج طاقة الرياح، ما قلّص الحاجة إلى استخدام الغاز في توليد الكهرباء. كما بقي المستثمرون في حالة ترقب للتطورات السياسية المرتبطة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أثارت بيانات متقلبة في الجلسة السابقة موجة صعود مؤقتة في الأسعار.
وبحسب بيانات بورصة إنتركونتيننتال، تراجع العقد الهولندي القياسي للشهر الأول في مركز تي تي إف إلى 48.16 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بعد انخفاضه بنحو 0.93 يورو. كما هبط العقد البريطاني للغاز تسليم يونيو بصورة أكبر، ما يعكس حساسية السوق للتغيرات اليومية في أساسيات الطلب وتوقعات الإمداد.
ويأتي هذا الأداء بعد ارتفاع يقارب 7 في المائة في جلسة الاثنين، عندما دفعت تقارير عن تعليق طهران للمحادثات غير المباشرة مع واشنطن الأسعار إلى الصعود. لكن تصريحات لاحقة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد فيها أن المحادثات لا تزال مستمرة، ساعدت على تهدئة بعض المخاوف، وإن لم تُنهِ حالة عدم اليقين.
الرياح تقلص الحاجة إلى الغاز في التوليد
أظهر تحليل بيانات السوق أن زيادة إنتاج الكهرباء من الرياح لعبت دوراً محورياً في خفض الطلب على الغاز داخل بعض المناطق غير المحلية في أوروبا. ومع ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة، تراجع الاستهلاك اليومي للغاز بنحو 214 غيغاواط/ساعة في هذه المناطق، وهو ما ضغط على الأسعار في سوق تتأثر سريعاً بأي تغير في موازين التوليد.
وقال محللون إن أساسيات السوق تبدو أضعف قليلاً، إذ إن ارتفاع الطلب المنزلي في بعض المناطق لم يكن كافياً لتعويض الانخفاض في استخدام الغاز لتوليد الكهرباء. ووفقاً لقراءة السوق، فإن الطلب المرتبط بالاستهلاك السكني لا يزال قائماً، لكن أثره يتراجع أمام وفرة إنتاج الرياح في الأيام ذات الأحوال الجوية المناسبة.
وتعكس هذه الحركة اتجاهاً أوسع في أسواق الطاقة الأوروبية، حيث يزداد تأثير الطقس والقدرة المتجددة على الأسعار الفورية والعقود القصيرة الأجل. فكلما ارتفع إنتاج الرياح، قلّت الحاجة إلى تشغيل محطات الغاز، الأمر الذي يضغط على العقود الآجلة ويدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر بشكل متكرر.
السوق تراقب مسار إمدادات الطاقة العالمية
رغم أن التراجع المسجل كان محدوداً، فإن الأسواق ما زالت تتعامل بحذر مع التطورات الجيوسياسية، خصوصاً ما يرتبط بإيران وممرات الشحن الحيوية. فالتقلبات الأخيرة في الأسعار جاءت بعد أن أثارت تقارير عن تعثر المحادثات مخاوف من اضطرابات أوسع في الإمدادات، قبل أن تعود التصريحات الرسمية لتخفف جزءاً من التوتر.
وأشار محللون إلى أن الغموض المستمر حول مسار التفاوض يجعل حركة الأسعار رهينة للأخبار أكثر من كونها مرتبطة بالأساسيات فقط. وفي مثل هذه البيئة، قد يتحول أي خبر سياسي أو أمني إلى عامل تسعير فوري، حتى لو كانت مؤشرات الطلب الآني تميل إلى الضعف.
كما أن التوترات في الشرق الأوسط تظل عنصراً مؤثراً في توقعات إمدادات الغاز والنفط، بالنظر إلى أهمية مضيق هرمز في مرور جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. لذلك، لا تقيس السوق حالياً وضع العرض والطلب الأوروبي فحسب، بل تضع في الحسبان أيضاً أي أثر محتمل على تدفقات الغاز الطبيعي المسال من خارج القارة.
المعادلة الأوروبية بين التحول الطاقي والاستقرار السعري
يوضح هذا التراجع المحدود أن سوق الغاز الأوروبية أصبحت أكثر ارتباطاً بعوامل التحول الطاقي، لا سيما نمو توليد الكهرباء من المصادر المتجددة. ففي الأيام التي ترتفع فيها مساهمة الرياح، تتراجع الحاجة إلى الغاز، وهو ما يخلق ضغوطاً مباشرة على الأسعار، حتى في ظل بقاء التحديات الجيوسياسية قائمة.
وفي المقابل، يظل الطلب المنزلي والتجاري عنصراً داعماً للأسعار خلال بعض الفترات، لكنه لا يكفي وحده لضبط اتجاه السوق عندما تتغير ظروف التوليد بسرعة. ولهذا، يراقب المتعاملون الآن المؤشرات المناخية والإمدادية والسياسية في وقت واحد، بحثاً عن دلائل أوضح على المسار المقبل.
وبين تأثير الرياح وتذبذب الأخبار المتعلقة بإيران، تبدو سوق الغاز الأوروبية في مرحلة إعادة توازن دقيقة. فالأسعار لا تتحرك فقط بناء على كميات الاستهلاك الفعلية، بل أيضاً بناء على توقعات المتداولين بشأن ما إذا كانت الإمدادات ستظل مستقرة، وما إذا كان الطلب الصناعي والكهربائي سيستعيد زخمه في الأسابيع المقبلة.
وفي المحصلة، يعكس الهبوط الطفيف في أسعار الغاز حالة من الترقب أكثر من كونه تحولاً حاسماً في السوق، إذ ما زالت العوامل الأساسية والجيوسياسية تتنافس على توجيه الأسعار في واحدة من أكثر أسواق الطاقة حساسية في العالم.