الأعمال والاقتصاد الرقمي 02-Jun-2026 4 دقائق قراءة

لاغارد تدعو إلى إصلاحات أوروبية لتعزيز مكانة اليورو عالمياً

رئيسة البنك المركزي الأوروبي ترى أن اليورو يملك فرصة أكبر لتعزيز حضوره الدولي إذا تحسنت المرونة الاقتصادية والجاهزية المؤسسية والمصداقية الجيوسياسية داخل الاتحاد الأوروبي.

أظهر تقرير جديد للبنك المركزي الأوروبي أن حضور اليورو في النظام المالي الدولي بقي مستقراً تقريباً خلال العام الماضي، من دون اختراق كبير في حصته العالمية، رغم التغيرات التي شهدتها الساحة الاقتصادية الأميركية وتوقعات بعض المستثمرين بأن تدعم تلك الاضطرابات العملة الأوروبية الموحدة.

وبحسب التقرير، فإن اليورو ما زال يحتفظ بنحو خمس المعاملات أو المؤشرات ذات الصلة بالدور الدولي للعملات، مع تحسن محدود مقارنة بالعام السابق، لكنه لا يزال بعيداً عن ذروة نفوذه التي سجلها قبل قرابة عقدين. وفي المقابل، عزز الذهب وبعض العملات الأصغر وغير التقليدية مواقعها في محافظ الاحتياطي والاستثمار، في وقت ظل الدولار واليورو تحت ضغط التنافس من بدائل متعددة.

لاغارد: الفرصة موجودة لكن الشروط غير مكتملة

ترى رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أن الظروف الراهنة قد تفتح نافذة مناسبة أمام اليورو ليصبح أكثر جاذبية على المستوى العالمي، خاصة إذا استمرت الضبابية في السياسات الأميركية. غير أنها شددت على أن هذه الفرصة لن تتحول إلى مكسب فعلي ما لم ينجح الأوروبيون في تنفيذ إصلاحات مؤسسية واقتصادية طال تأجيلها.

وفي قراءة لافتة داخل التقرير، قالت لاغارد إن تحويل اليورو إلى عملة أقوى دولياً يتطلب من صناع القرار في أوروبا الانتقال من الطرح النظري إلى التنفيذ العملي، مع التركيز على بناء بيئة اقتصادية أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

ثلاثة محاور لتعزيز جاذبية العملة الأوروبية

حددت لاغارد ثلاث ركائز أساسية يمكن أن تدفع الدور الدولي لليورو إلى الأمام. أول هذه الركائز هو تعزيز المرونة الاقتصادية عبر تقوية الاقتصاد الأوروبي وتقليل هشاشته أمام التقلبات الخارجية. أما الركيزة الثانية فتتمثل في رفع مستوى النزاهة القانونية والمؤسسية بما يمنح المستثمرين والشركاء الدوليين ثقة أكبر في البيئة التنظيمية داخل الاتحاد الأوروبي.

وتتعلق الركيزة الثالثة بالمصداقية الجيوسياسية، وهي نقطة أصبحت أكثر أهمية في ظل التوترات الدولية وتزايد البحث عن بدائل أقل تعرضاً للمخاطر السياسية. وتعتقد لاغارد أن الاتحاد الأوروبي لن ينجح في توسيع استخدام اليورو ما لم يثبت أنه ليس فقط كتلة اقتصادية كبيرة، بل أيضاً طرفاً قادراً على تقديم وضوح سياسي واستقرار طويل الأمد.

اليورو لا يزال في موقع قوي لكن دون تقدم نوعي

تُظهر البيانات التي استند إليها التقرير أن اليورو يحافظ على موقع متقدم بين العملات العالمية، لكنه لم يحقق نقلة كبيرة خلال الفترة الأخيرة. ويعكس ذلك أن المكانة الدولية للعملة لا تتغير بسرعة، بل تتأثر بعوامل أوسع تشمل حجم الاقتصاد، واتساق السياسات المالية، وعمق أسواق رأس المال، ومستوى الثقة في المؤسسات.

ويرى محللون أن ثبات الحصة السوقية لليورو عند هذه المستويات يعني أن الاتحاد الأوروبي لم يستفد بالكامل من التحولات التي دفعت بعض المستثمرين إلى تنويع محافظهم بعيداً عن الدولار. ومع ذلك، فإن التقرير يشير بوضوح إلى أن هذه البيئة قد لا تتكرر كثيراً، ما يجعل الوقت مناسباً لوضع إصلاحات طويلة المدى بدلاً من الاكتفاء بقراءة مؤقتة للتقلبات الأميركية.

الذهب والعملات الصغيرة تستفيد من إعادة توزيع المحافظ

من أبرز ما لفت إليه التقرير أن الذهب وبعض العملات الاحتياطية الأصغر والمختلفة عن المألوف حققت مكاسب في الآونة الأخيرة، في وقت لم يحصل فيه اليورو على الزخم المتوقع. ويعكس ذلك أن الأسواق لا تبحث فقط عن بدائل للدولار، بل أيضاً عن أدوات تخزين قيمة وسيولة تتوافق مع مرحلة تتسم بارتفاع عدم اليقين.

هذه التطورات تعني أن المنافسة على النفوذ المالي العالمي لم تعد محصورة بين الدولار واليورو وحدهما. فكلما زادت التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية، اتسع المجال أمام أصول أخرى لاقتناص جزء من الطلب العالمي، سواء في الاحتياطيات الرسمية أو في تدفقات المستثمرين المؤسسيين.

ما الذي يحتاجه الاتحاد الأوروبي عملياً؟

تُظهر الرسالة الأساسية من التقرير أن تعزيز الدور الدولي لليورو لا يعتمد على الأمنيات، بل على إصلاحات محددة في بنية الاقتصاد الأوروبي. فإلى جانب الاستقرار المالي، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى أسواق أكثر تكاملاً، ومؤسسات أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وإطار قانوني يبعث على الثقة، إضافة إلى رؤية خارجية واضحة تعزز حضور التكتل على الساحة الدولية.

ويشير التقرير ضمنياً إلى أن أي تقدم حقيقي في مكانة اليورو سيتطلب تنسيقاً بين السياسات المالية والنقدية والتنظيمية، وليس فقط قرارات من البنك المركزي الأوروبي. كما أن النجاح في هذا المسار قد يمنح أوروبا مزيداً من الاستقلالية المالية ويقلل اعتمادها النسبي على أدوات النظام النقدي الذي يهيمن عليه الدولار.

اختبار طويل الأمد لموقع اليورو

في المحصلة، يعكس التقرير صورة مزدوجة: اليورو لا يتراجع، لكنه أيضاً لا يحقق اختراقاً ملموساً في نفوذه العالمي. وبين هذين الحدين، تضع لاغارد مسؤولية التحول على عاتق صناع السياسات الأوروبيين، معتبرة أن اللحظة قد تكون مناسبة لإعادة صياغة موقع العملة الموحدة في الاقتصاد العالمي.

ويبدو أن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان اليورو مؤهلاً ليكون أكثر تأثيراً، بل ما إذا كانت أوروبا مستعدة لتوفير الشروط السياسية والمؤسسية التي تجعل هذا الاحتمال قابلاً للتحقق على المدى الطويل.