الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ميرتس يحذر من تراجع تنافسية ألمانيا ويدعو إلى خفض تكاليف الطاقة والضرائب

حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، مؤكداً أن بلاده أصبحت شديدة الكلفة وتحتاج إلى إصلاحات تشمل الضرائب والطاقة والبيروقراطية والتحول الرقمي.

حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن اقتصاد بلاده يواجه مشكلة متصاعدة في القدرة التنافسية السعرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الشركات الصناعية والخدماتية على حد سواء. وجاءت تصريحاته في وقت تحاول فيه الحكومة الألمانية استعادة جاذبية السوق المحلية أمام المستثمرين، بعد سنوات من ارتفاع التكاليف وتباطؤ النشاط الصناعي.

وقال ميرتس خلال كلمة ألقاها في منتدى الاقتصاد الألماني الشرقي إن ألمانيا باتت، في نظره، من البلدان المكلفة للغاية بالنسبة للأعمال. وأضاف أن هذا الواقع لم يعد يقتصر على قطاع بعينه، بل يطال عدداً واسعاً من المجالات التي تجد نفسها اليوم عاجزة عن مجاراة المنافسين في مناطق أخرى من العالم من حيث الأسعار وتكلفة الإنتاج.

أزمة تنافسية تضغط على أكبر اقتصاد أوروبي

تأتي تحذيرات ميرتس في سياق اقتصادي حساس بالنسبة إلى ألمانيا، التي ما تزال تعاني آثار أزمة هيكلية ممتدة طالت صناعاتها الأساسية. فبعد عقود من الاعتماد على نموذج صناعي قوي قائم على الطاقة الرخيصة والقدرة التصديرية، وجدت الشركات الألمانية نفسها أمام بيئة تشغيلية أكثر كلفة وتعقيداً، ما انعكس على هوامش الربح وقرارات الاستثمار.

ويرى ميرتس أن استعادة تنافسية ألمانيا تتطلب معالجة مجموعة من العوامل المتداخلة، وليس الاكتفاء بإجراءات جزئية. ومن بين الملفات التي شدد عليها: ضريبة الشركات، أسعار الطاقة، العبء البيروقراطي، التكاليف الإضافية المرتبطة بالعمالة، إلى جانب الحاجة إلى تسريع التحول الرقمي داخل الاقتصاد والإدارة.

وبحسب هذا الطرح، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالمستوى الحالي للأسعار، بل أيضاً بقدرة ألمانيا على تقديم بيئة أعمال أكثر مرونة وسرعة، تسمح للشركات المحلية والأجنبية بتوسيع استثماراتها من دون تكاليف تنظيمية أو تشغيلية مرتفعة.

الطاقة والضرائب والبيروقراطية في قلب النقاش

تُعد تكلفة الطاقة من أكثر الملفات حساسية في النقاش الاقتصادي الألماني منذ عام 2022، مع اضطراب إمدادات الغاز وارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية. ويمثل ذلك تحدياً مباشراً للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن والتصنيع، وهي قطاعات تُعد من ركائز الاقتصاد الألماني.

كما أن ضريبة الشركات والعبء الإداري يظلان من بين أبرز العوامل التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم الوجهات الأوروبية. وفي حال بقيت هذه التكاليف مرتفعة، فإن الشركات قد تفضّل توجيه توسعاتها إلى أسواق أقل كلفة وأكثر سرعة في الإجراءات، خاصة في بيئة عالمية تتنافس فيها الدول على جذب رأس المال والوظائف والتكنولوجيا.

وأشار ميرتس أيضاً إلى أن التحول الرقمي لم يعد خياراً ثانوياً، بل جزءاً أساسياً من أي خطة لإعادة بناء القدرة التنافسية. فالبنية الرقمية المتقدمة تسهم في تقليص التكاليف، وتسريع المعاملات، وتحسين الإنتاجية، وهي عناصر باتت حاسمة في منافسة اقتصادات كبرى على الاستثمار الصناعي والخدمات الرقمية.

أثر التحولات الجيوسياسية على الصناعة الألمانية

ترتبط الأزمة الحالية أيضاً بتحولات أوسع في سوق الطاقة الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا. فالنموذج الصناعي الألماني استفاد لعقود من الغاز الروسي منخفض السعر، وهو ما وفر ميزة تنافسية مهمة لمصانع البلاد، خصوصاً في القطاعات الثقيلة.

لكن هذا الواقع تبدل بصورة حادة مع فرض العقوبات الواسعة على موسكو في عام 2022 وتضرر خطوط أنابيب السيل الشمالي، ما أجبر الشركات الألمانية على البحث عن بدائل أكثر كلفة، بينها الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة بأسعار أعلى بكثير.

هذا التحول في مزيج الطاقة لم يؤد فقط إلى زيادة فواتير التشغيل، بل أعاد رسم معادلة التسعير في قطاعات صناعية كانت تعتمد سابقاً على الطاقة الرخيصة باعتبارها ميزة بنيوية. ومع ارتفاع التكاليف، تراجعت القدرة على منافسة المنتجين في أسواق أخرى، سواء داخل أوروبا أو خارجها.

ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين والشركات؟

بالنسبة إلى مجتمع الأعمال، تحمل تصريحات ميرتس رسالة واضحة مفادها أن الحكومة تدرك حجم التحدي، وأن هناك حاجة إلى تدخلات اقتصادية أعمق للحفاظ على مكانة ألمانيا كمركز صناعي واستثماري. لكن ترجمة هذا الإدراك إلى نتائج ملموسة ستتطلب وقتاً وإصلاحات متدرجة في أكثر من قطاع.

فخفض العبء الضريبي أو تحسين أسعار الطاقة وحده قد لا يكون كافياً إذا لم يترافق مع تبسيط الإجراءات وتسريع الرقمنة وتخفيض الكلفة التنظيمية. كما أن استعادة الثقة لدى المستثمرين تحتاج إلى استقرار تشريعي ورؤية طويلة الأمد، خصوصاً في الصناعات التي تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة ودورات إنتاج طويلة.

وفي ظل المنافسة الأوروبية والعالمية على رؤوس الأموال، تصبح سرعة الإصلاح عنصراً حاسماً. فالدول التي تقدم بيئة أعمال أقل كلفة وأكثر وضوحاً قد تتمكن من جذب جزء من المشاريع التي كانت في السابق تتجه تلقائياً إلى ألمانيا.

إصلاحات مطلوبة لاستعادة الزخم الاقتصادي

يراهن ميرتس على مقاربة شاملة تعالج مشكلات التنافسية من جذورها، لا من خلال حلول مؤقتة. وتشمل هذه المقاربة تحسين شروط تشغيل الشركات، وتعزيز الاستثمار في البنية الرقمية، وإعادة ضبط سياسات الطاقة بحيث تصبح أكثر استقراراً ويمكن التنبؤ بها، إلى جانب تقليص التعقيد الإداري الذي يرهق القطاع الخاص.

لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة ألمانيا على تحويل هذه التحذيرات إلى سياسة اقتصادية عملية تعيد الثقة إلى الصناعة وتدعم النمو. وفي بلد يمثل أحد أكبر محركات الاقتصاد الأوروبي، فإن أي تراجع مستمر في التنافسية لا ينعكس محلياً فقط، بل يمتد أثره إلى سلاسل التوريد الأوروبية بأكملها.

وبينما يزداد الضغط على الشركات وسط ارتفاع التكاليف وتباطؤ بعض القطاعات، تبدو المعركة المقبلة في ألمانيا مرتبطة بمدى نجاحها في خفض الكلفة واستعادة مرونتها الاقتصادية، قبل أن تتسع الفجوة مع المنافسين العالميين أكثر.