إشارة نادرة من البنك المركزي
أوقف بنك الشعب الصيني عملياً ضخ السيولة اليومية عبر عمليات اتفاقيات إعادة الشراء العكسي لأجل سبعة أيام، إذ سجلت هذه العمليات مستوى صفراً في يوم الأربعاء، وهي سابقة لم تُسجل منذ نحو عامين. وتقرأ الأسواق هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على أن النظام المصرفي لا يحتاج في اللحظة الراهنة إلى دعم إضافي قصير الأجل من البنك المركزي.
ويعني هذا التحرك أن السيولة الفائضة في السوق ما زالت كافية لتلبية احتياجات البنوك والمتعاملين الرئيسيين، وهو ما يقلل الحاجة إلى تدخل مباشر متكرر. كما يأتي القرار في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب توازنات النقد بين وفرة السيولة من جهة، وضعف نمو الائتمان من جهة أخرى.
وبحسب تقديرات سوقية، فإن وصول حجم هذه العمليات إلى الصفر يُعد أول مرة منذ أغسطس 2024، ما يمنح الخطوة بعداً رمزياً إلى جانب دلالتها الفنية. فالبنك المركزي لم يعلن عن تشديد في السياسة، لكنه وجّه رسالة واضحة بأن مستوى السيولة الحالي لا يستدعي الضخ الاعتيادي المعتاد.
توقيت حساس لأسعار الفائدة والائتمان
جاءت الخطوة بينما كانت أسعار الفائدة القصيرة الأجل في الصين تميل إلى الانخفاض، إذ بلغ متوسط سعر إعادة الشراء القياسي لأجل سبعة أيام 1.33 في المائة، أي دون سعر الفائدة الأساسي البالغ 1.4 في المائة خلال معظم الشهر الماضي. ويشير هذا الفارق إلى أن تكلفة التمويل في السوق ما زالت مريحة نسبياً، وأن البيئة النقدية لا تزال ميسرة.
ويرى محللون أن التباطؤ في نمو الائتمان المصرفي قد يكون أحد الأسباب التي دفعت البنك المركزي إلى إرسال هذه الإشارة. فحين تتراجع معدلات الإقراض بوتيرة أبطأ من المتوقع، يصبح من الضروري أحياناً ضبط توقعات السوق حتى لا تترسخ قناعة بأن التمويل الرخيص سيستمر بلا حدود.
وقالت شياوجيا تشي، كبيرة الاقتصاديين الصينيين في «كريدي أغريكول»، إن العملية فاجأت السوق، خصوصاً في ظل الانخفاض الملحوظ في العائدات وبيئة الفائدة المنخفضة. وأضافت أن ضعف نمو الائتمان والانخفاض السريع في العوائد قد يكونان دفعا البنك المركزي إلى تذكير الأسواق بأن إدارة السيولة لا تتحرك في اتجاه واحد.
قراءة الأسواق: وفرة نقدية لا تغيير في المسار
لم تتعامل الأسواق مع القرار بوصفه بداية تحول كبير في السياسة النقدية. فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الصينية لأجل 30 عاماً بنقطة أساس واحدة فقط لتصل إلى 2.2 في المائة، وهو تحرك محدود يوحي بأن المستثمرين قرأوا الإجراء على أنه فني أكثر منه استراتيجي.
كما رجّح عدد من الاقتصاديين أن يواصل البنك المركزي الصيني سياسة نقدية تيسيرية مناسبة خلال بقية العام، من أجل دعم الاقتصاد الذي يواجه ضغوطاً متراكمة من ضعف الطلب المحلي والانعكاسات المباشرة للتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، لا يبدو أن وقف الضخ اليومي يعني تبدلاً في اتجاه التيسير، بل محاولة لقياس مستوى السيولة الحقيقي في السوق.
وقال لين سونغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى في بنك «آي إن جي»، إن السيولة لا تزال وفيرة، ما يسمح للبنك المركزي بالتريث قبل إضافة أموال جديدة. ورجّح أن يكون القرار مجرد اختبار قصير الأجل لظروف السوق، وليس تحولاً في المسار الأوسع للسياسة النقدية.
تعزيز الإقراض يظل أولوية قريبة
في وقت سابق، أفادت مصادر مطلعة بأن البنك المركزي وجّه البنوك إلى زيادة الإقراض خلال الشهر الماضي، بعد تراجع غير متوقع في أبريل. ويعكس ذلك رغبة السلطات النقدية في ضمان انتقال أثر السيولة إلى الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من بقائها محصورة داخل النظام المصرفي أو في الأسواق المالية.
وترى شياوجيا تشي أن السياسة الصينية ستظل ميسرة في المدى القريب، مع تركيز أكبر على تشجيع الائتمان المصرفي. ويعني ذلك أن بنك الشعب الصيني قد يستخدم أدوات متعددة، من بينها إدارة عمليات السوق المفتوحة وتوجيهات الإقراض، لدعم النشاط الاقتصادي دون اللجوء بالضرورة إلى خفض كبير وسريع في الفائدة.
وفي المقابل، يختلف هذا النهج عن مسار عدد من البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى، التي تميل إلى الإبقاء على معدلات فائدة أعلى لفترة أطول لمواجهة التضخم. أما الصين، فلا تزال تتحرك ضمن بيئة تضخم منخفضة نسبياً، ما يمنحها مساحة أكبر لمواصلة الدعم النقدي إذا احتاج الأمر.
الأسواق العالمية والطاقة تضيفان طبقة جديدة من التعقيد
تتزامن السياسة النقدية الصينية المرنة مع اتجاه عالمي أكثر تشدداً في بعض الاقتصادات، حيث باتت صدمة أسعار الطاقة في الشرق الأوسط عاملاً إضافياً في حسابات البنوك المركزية. وفي الولايات المتحدة، أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى احتمال رفع الفائدة مستقبلاً إذا استمرت الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة.
أما الصين، فلا تواجه حتى الآن الضغوط نفسها، إذ يتحرك التضخم من مستويات انكماشية إلى مستويات إيجابية منخفضة فقط. وهذا الفارق يمنح بكين هامشاً أوسع لإدارة الاقتصاد عبر أدوات التيسير، خاصة إذا استمرت المخاطر على الطلب الداخلي أو تباطأت قنوات الائتمان.
ويرجح سونغ أن يصبح خفض الفائدة أكثر قبولاً إذا هدأت أسعار الطاقة العالمية وتراجع أثر التوترات الجيوسياسية، متوقعاً خفضاً إضافياً بواقع 10 نقاط أساس في الربع الأخير من العام. لكن القرار النهائي سيظل مرتبطاً بتطورات النمو، وسرعة انتقال السيولة إلى القطاعات المنتجة.
الخدمات تواصل التحسن رغم ضغوط التكاليف
إلى جانب التطورات النقدية، أظهر مسح خاص أن قطاع الخدمات الصيني سجل في مايو أسرع وتيرة نمو خلال ثلاثة أشهر، مدعوماً بتحسن الطلب المحلي وعودة النشاط الخارجي. وارتفع مؤشر مديري المشتريات الخدمي إلى 54.4 نقطة من 52.6 نقطة في أبريل، ليظل فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين التوسع والانكماش.
وشهدت الأعمال الجديدة أسرع نمو لها منذ ثلاثة أشهر، كما عادت طلبات التصدير الجديدة إلى التوسع بعد انكماش سابق. وفي مؤشر إيجابي آخر، أضافت الشركات وظائف للمرة الأولى منذ أربعة أشهر، ما يعكس تحسناً نسبياً في الثقة التشغيلية.
لكن الصورة لم تكن إيجابية بالكامل، إذ ارتفعت تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوى لها منذ أكتوبر 2024 بفعل زيادة أسعار النفط والوقود والشراء والأجور. وهذا يشير إلى أن مكاسب النشاط قد تظل محدودة إذا استمرت ضغوط الكلفة في التأثير على هوامش الشركات.
وبين وفرة السيولة من جهة، وتحسن الخدمات مع استمرار ضغوط التكاليف من جهة أخرى، تبدو الصين في مرحلة إعادة توازن دقيقة. فالبنك المركزي يحاول إبقاء شروط التمويل ميسرة من دون دفع السوق إلى الإفراط في الاعتماد على النقد الرخيص، فيما تراقب الشركات والمستثمرون أي إشارة جديدة إلى ما إذا كانت السياسة ستبقى على هذا النهج أو تنتقل إلى درجة أكبر من الدعم.