ارتفاع محدود في الطلبات
سجّلت طلبات إعانة البطالة في الولايات المتحدة زيادة طفيفة خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى أن سوق العمل لا تزال تتسم بقدر من التماسك رغم استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية. وأعلنت وزارة العمل الأميركية أن الطلبات الأولية للحصول على الإعانة ارتفعت بمقدار 5000 طلب لتصل إلى 215 ألفاً بعد التعديل الموسمي، وذلك للأسبوع المنتهي في 23 مايو.
وجاءت القراءة أعلى قليلاً من توقعات المحللين الذين رجّحوا 211 ألف طلب، لكنها بقيت ضمن النطاق المعتاد لهذا العام، إذ تراوحت الطلبات بين 190 ألفاً و230 ألفاً. ويعكس ذلك أن وتيرة التسريح ما زالت محدودة نسبياً، حتى مع تصاعد حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية.
ويُظهر هذا الأداء أن الشركات الأميركية، باستثناء بعض موجات التخفيض المرتبطة بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما زالت تتحفظ في إجراءات الاستغناء عن العمالة. كما أن بيانات المطالبات لا تشير إلى تحول حاد في اتجاهات التوظيف خلال الفترة الأخيرة.
مؤشرات على سوق عمل صامدة بحذر
رغم التوترات الناتجة عن الرسوم الجمركية التي فُرضت على الواردات في وقت سابق، ثم التطورات المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، لم تظهر سوق العمل الأميركية حتى الآن علامات ضعف حادة. لكن حالة عدم اليقين بدأت تنعكس في سلوك الشركات والأسر على حد سواء، وهو ما يجعل المؤشرات الشهرية محل متابعة دقيقة من المستثمرين وصانعي السياسات.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الكلي بفعل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها النفط والأسمدة، بعد تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويمثل هذا التطور عاملاً تضخمياً إضافياً قد ينعكس على كلفة المعيشة وعلى هوامش أرباح الشركات في الأشهر المقبلة.
وتشير البيانات الأخيرة أيضاً إلى أن عمليات التسريح ما زالت منخفضة بشكل عام، وهو ما يحد من ارتفاع الطلبات الجديدة. إلا أن هذا التوازن قد يبقى هشاً إذا استمرت الصدمات الخارجية أو إذا توسعت آثارها إلى قطاعات أوسع في سوق العمل.
الطلبات المستمرة ومؤشر البطالة
إلى جانب الطلبات الأولية، ارتفع عدد الأميركيين الذين يتلقون إعانات البطالة بعد أسبوعهم الأول بمقدار 15 ألف شخص ليصل إلى 1.786 مليون في الأسبوع المنتهي في 16 مايو. وتُعرف هذه الفئة باسم المطالبات المستمرة، وهي مؤشر مهم على قدرة العاطلين عن العمل على العثور على وظائف جديدة أو البقاء ضمن شبكة الحماية الاجتماعية.
وتغطي هذه البيانات الفترة التي تعتمد عليها الحكومة في مسح الأسر لتحديد معدل البطالة الشهري. وبناءً على هذه المعطيات، يُتوقع أن يكون معدل البطالة قد استقر عند 4.3 في المائة خلال مايو، وهو مستوى يعكس سوق عمل لا تزال قوية نسبياً، لكنها ليست بمنأى عن التباطؤ.
كما أن تراجع المطالبات المستمرة عن مستويات العام الماضي لا يعني بالضرورة تحسناً كاملاً، إذ يعود جزء من هذا الانخفاض إلى انتهاء أهلية بعض المستفيدين للحصول على الإعانات، التي غالباً ما تكون محددة بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات. كذلك، فإن هذه البيانات لا تشمل شريحة من الشباب العاطلين الذين يملكون سجلاً وظيفياً محدوداً أو غير موجود، ما يعني أن الصورة الكاملة لسوق العمل أوسع وأكثر تعقيداً.
الشباب وخريجو الجامعات تحت الضغط
تواجه فئة الشباب، خصوصاً خريجي الجامعات الجدد، صعوبات ملحوظة في الدخول إلى سوق العمل. فبعض الخريجين الذين أنهوا دراستهم العام الماضي ما زالوا بلا وظائف، في إشارة إلى أن التباطؤ لا ينعكس فقط على القطاعات التقليدية، بل يمتد أيضاً إلى فرص الالتحاق الأولى بالعمل.
وتُظهر هذه المعطيات أن التحدي لا يقتصر على عدد الوظائف المتاحة، بل يشمل أيضاً جودة هذه الوظائف ومدى توافقها مع مؤهلات الداخلين الجدد إلى السوق. ومع ازدياد الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التوظيف والإنتاج، تتغير طبيعة المهارات المطلوبة بسرعة، ما يرفع سقف المنافسة على الوظائف المبتدئة.
كما أن انكماش بعض الشركات في قطاع التكنولوجيا، نتيجة إعادة الهيكلة أو الاستغناء عن وظائف مرتبطة بالتوسع في الذكاء الاصطناعي، أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الوظيفي. وفي هذا السياق، يصبح استمرار الطلبات عند مستويات معتدلة مؤشراً على استقرار نسبي، لكنه لا يلغي المخاطر الكامنة.
قراءة الأسواق للأوضاع الاقتصادية
أظهر استطلاع حديث لمجلس المؤتمرات أن آراء الأسر الأميركية بشأن سوق العمل أصبحت أكثر تبايناً خلال الشهر الجاري. فقد تراجعت نسبة من يرون أن الوظائف متاحة بكثرة إلى أدنى مستوى منذ فبراير 2021، في حين انخفضت أيضاً نسبة من يعتبرون الحصول على وظيفة أمراً شديد الصعوبة إلى أدنى مستوى في سبعة أشهر.
ويعني هذا التباين أن الأسر لا ترى المشهد بصورة واحدة: فبعضها لا يزال يشعر بوجود فرص عمل، بينما يرى آخرون أن المنافسة ما زالت صعبة. هذا النوع من المؤشرات المعنوية مهم، لأنه يؤثر على قرارات الإنفاق والادخار والثقة الاستهلاكية، وهي عناصر أساسية في نشاط الاقتصاد الأميركي.
وفي المحصلة، تعكس بيانات إعانات البطالة صورة لسوق عمل لم تدخل بعد في مرحلة تراجع واضح، لكنها تعمل تحت ضغط سياسي وجيوسياسي وتضخمي متزايد. وإذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فقد تظهر آثار أوسع على الشركات والأسر، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التماسك الحالي قادراً على الصمود.