بنك فرنسا يراجع مسار النمو
أعلن محافظ بنك فرنسا المركزي فرنسوا فيليروي دي غالو أن المؤسسة تتجه إلى خفض توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال الأسابيع المقبلة، بعدما أظهرت البيانات الرسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي في الربع الأول من عام 2026. ويأتي هذا التعديل المتوقع في وقت تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، وما تسببه من اضطراب في أسواق الطاقة وحالة عدم يقين أوسع في الاقتصاد العالمي.
وقال فيليروي دي غالو إن البنك لا يزال يدرس عدة مسارات محتملة للاقتصاد، لكنه شدد على أن المفاجأة السلبية التي سجلها الربع الأول تفرض مراجعة تقديرات النمو إلى مستويات أدنى من تلك التي أعلنها البنك في مارس الماضي. وأوضح أن الصورة العامة لا تزال تسمح ببعض النمو في أغلب السيناريوهات المطروحة، لكنه امتنع عن الجزم بأن فرنسا قد تواجه ركوداً في الوقت الراهن.
انكماش غير متوقع يضغط على التقديرات
كانت البيانات الصادرة في نهاية الأسبوع الماضي قد أظهرت تراجع الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.1 في المائة خلال الربع الأول من العام، وهو انكماش صغير في حجمه لكنه كبير في دلالته، لأنه جاء مخالفاً للتوقعات السابقة وأثار تساؤلات حول قدرة البلاد على بلوغ هدفها الرسمي للنمو البالغ 0.9 في المائة للعام بأكمله.
هذا الأداء الضعيف يضع صانعي السياسات أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ يصبح الحفاظ على وتيرة التعافي أصعب في ظل ضغوط خارجية متراكمة. كما أن إعادة تقييم مسار النمو تبدو منطقية بعد أن كانت التقديرات السابقة أكثر تفاؤلاً بشأن أداء الاستهلاك والاستثمار والتجارة الخارجية.
وفي تحرك متصل، كان صندوق النقد الدولي قد خفض في مايو تقديراته لنمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.7 في المائة فقط لهذا العام، ما يعكس اتساع دائرة الحذر بشأن آفاق ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
الطاقة والطلب المحلي في قلب الضغوط
أشار محافظ بنك فرنسا إلى أن الضبابية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط لا تنعكس فقط على المعنويات العامة، بل تمتد إلى أسواق النفط العالمية واحتمالات بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة أو متقلبة. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار النسبي في تكاليف الطاقة، فإن أي صدمة جديدة في أسواق الخام يمكن أن تضيف عبئاً إضافياً على الشركات والأسر.
كما لفت إلى أن التباطؤ لا يقتصر على جانب الصادرات، وهو ما يعد إشارة مهمة، لأن الضعف أصبح يشمل الطلب المحلي أيضاً. ووفقاً لتقديره، فإن الاستهلاك العائلي والاستثمارات التي تنفذها الأسر والشركات باتت أقل زخماً، ما يعني أن أساس النمو نفسه يواجه تباطؤاً أوسع من مجرد أثر خارجي مؤقت.
هذه القراءة تعني أن التحدي أمام السياسة الاقتصادية الفرنسية لا يقتصر على التعامل مع الصدمة الجيوسياسية، بل يمتد إلى إعادة تنشيط الطلب الداخلي وتعزيز الثقة في بيئة استثمارية تتسم بالحذر. ومع تراجع الإنتاج في بداية العام، يصبح أي ضعف إضافي في الربع الثاني عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت فرنسا ستتمكن من تجنب الركود الفني.
ترقب للربع الثاني ومسألة الركود
رغم التحذيرات المتزايدة، رفض فيليروي دي غالو الحديث حالياً عن احتمال دخول فرنسا في ركود اقتصادي، موضحاً أن هذا الحكم لا يمكن إطلاقه إلا إذا سجل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً جديداً في الربع الثاني. وبذلك يبقى المسار مفتوحاً بين تباطؤ قابل للاحتواء وبين تدهور أعمق في النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه المرحلة حساسية إضافية لأن الأسواق تتابع بدقة أي إشارة من البنك المركزي حول توقعات النمو، ولا سيما في بيئة أوروبية تتسم بتباطؤ عام وتحديات تتعلق بسلاسل الإمداد وتكلفة التمويل والتوترات الجيوسياسية. وكلما طال أمد الاضطراب في الشرق الأوسط، زادت احتمالات انتقال أثره إلى الاقتصاد الحقيقي في أوروبا عبر أسعار الطاقة والنقل والتأمين.
مرحلة انتقالية داخل البنك المركزي
تتزامن هذه التطورات مع انتقال إداري مهم داخل بنك فرنسا، إذ كان فيليروي دي غالو قد أعلن في فبراير أنه سيغادر منصبه بنهاية يونيو، أي قبل 18 شهراً من انتهاء ولايته الرسمية. ويشغل فيليروي أيضاً عضوية مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي، ما يمنح تصريحاته وزناً إضافياً في النقاش الأوروبي حول التضخم والنمو وأسعار الفائدة.
وقد جرى تعيين إيمانويل مولان، المدير السابق لمكتب الرئيس إيمانويل ماكرون، ليخلفه على رأس البنك المركزي الفرنسي. وأثار هذا التعيين انتقادات من معارضين رأوا فيه استمراراً لنهج يعتمد على اختيار شخصيات قريبة من دوائر السلطة لتولي مواقع مالية حساسة قبل نهاية الولاية الرئاسية الحالية في مايو من العام المقبل.
ورغم الجدل السياسي المحيط بالمنصب، يبقى التحدي الأساسي اقتصادياً بحتاً: كيف يمكن للسياسة النقدية أن تتعامل مع نمو ضعيف وضغوط طاقة ومناخ عالمي شديد التقلب؟ الجواب سيتحدد في الأسابيع المقبلة مع صدور بيانات جديدة قد تكشف ما إذا كان الانكماش الأول مجرد تعثر عابر أم بداية مسار أضعف من المتوقع.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد الفرنسي؟
عملياً، يعني خفض توقعات النمو أن الحكومة والبنك المركزي قد يواجهان مساحة أضيق للمناورة في الأشهر المقبلة. فإذا استمرت الضبابية الجيوسياسية، وتراجعت شهية الأسر للإنفاق، وتأجلت الاستثمارات الخاصة، فقد يصبح الوصول إلى هدف النمو الرسمي أمراً بالغ الصعوبة.
وفي المقابل، فإن أي استقرار في أسواق النفط أو تحسن في الطلب الداخلي قد يخفف من حدة التباطؤ ويمنح الاقتصاد الفرنسي فرصة لتجنب مزيد من الضعف. لكن المؤكد حتى الآن أن بنك فرنسا بات أكثر حذراً، وأن حرب الشرق الأوسط أصبحت عاملاً مباشراً في إعادة رسم توقعات واحدة من أكبر اقتصادات أوروبا.