الأعمال والاقتصاد الرقمي 05-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الأسهم الصينية تتراجع مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتباين رهانات الرقائق واليوان

تراجعت الأسهم الصينية وأسهم هونغ كونغ تحت ضغط التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بينما دعمت رهانات الاكتفاء الذاتي في صناعة الرقائق وشركات الذكاء الاصطناعي بعض القطاعات. وفي الوقت نفسه، تحرك اليوان بصورة محدودة وسط إشارات متضاربة من الدولار والسيولة المحلية.

ضغوط جيوسياسية تعمّق خسائر الأسواق الآسيوية

سجلت الأسهم في الصين وهونغ كونغ تراجعاً جديداً خلال تعاملات الخميس، مع امتداد موجة الحذر إلى الأسواق الآسيوية على خلفية تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وجاء الضغط في وقت يراقب فيه المستثمرون مسار الأحداث الأمنية وتأثيرها المحتمل على التجارة العالمية وأسعار الطاقة، ما دفع كثيرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر.

وانخفض مؤشر «سي إس آي 300» للشركات الكبرى في الصين بنسبة 0.6 في المائة، فيما هبط مؤشر «شنغهاي المركب» 0.4 في المائة. أما في هونغ كونغ، فتراجع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 1.4 في المائة، في إشارة إلى اتساع دائرة الحذر بين المستثمرين الإقليميين. وتزامن ذلك مع هبوط أوسع في الأسواق الآسيوية بنحو 1.5 في المائة، بعد أداء ضعيف في «وول ستريت» خلال الليلة السابقة.

ورغم ظهور مؤشرات محدودة على تهدئة بعض بؤر التوتر، فإن الصورة العامة بقيت غير مستقرة. فقد عززت التطورات الأمنية في المنطقة مخاوف من اضطراب خطوط الشحن وارتفاع كلفة الطاقة، وهو ما ينعكس سريعاً على قرارات المحافظ الاستثمارية وعلى تقييمات الأصول في الاقتصادات المعتمدة على التجارة.

الرقائق الصينية تستفيد من رهانات الاكتفاء الذاتي

في المقابل، برزت شركات تصنيع الرقائق الصينية كاستثناء واضح في جلسة هبطت فيها معظم القطاعات. وارتفعت أسهم هذا القطاع على خلفية قناعة متنامية بأن الشركات المحلية قد تحقق تقدماً ملموساً في تجاوز أثر العقوبات الأميركية وضوابط التصدير، خصوصاً مع ازدياد الاهتمام بتطوير سلاسل توريد محلية لأشباه الموصلات.

وقفز مؤشر «ستار لمواد ومعدات أشباه الموصلات» 4 في المائة، بينما صعد مؤشر «سي إس آي لصناعة أشباه الموصلات» 2.5 في المائة. ويعكس هذا الأداء رهانات المستثمرين على أن قطاع التكنولوجيا الصيني سيظل أحد أبرز محركات النمو، خاصة مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في التطبيقات التجارية والصناعية.

كما عززت أخبار تمويل محتمل لشركة «ديب سيك»، وهي من أبرز الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، هذا الزخم. وتدور التوقعات حول جولة تمويلية قد تجمع نحو 50 مليار يوان، أي ما يعادل 7.4 مليار دولار، من مستثمرين بينهم «تنسنت هولدينغز» و«كاتل». وفي الوقت نفسه، قالت «هواوي» في وقت سابق من الشهر إنها ترى نفسها قادرة على تصنيع أشباه موصلات متقدمة خلال خمس سنوات، وهو تصريح ضاعف رهانات السوق على قدرة الصين على بناء قدرات محلية أكثر استقلالاً.

اليوان يتحرك بحذر وسط إشارات متعارضة

على صعيد العملات، ارتفع اليوان الصيني هامشياً أمام الدولار، مستفيداً من تراجع مؤشر العملة الأميركية بشكل طفيف خلال الجلسة الآسيوية. وجرى تداول اليوان في السوق المحلية عند مستوى 6.7740 يوان للدولار، بزيادة تقارب 0.05 في المائة، في وقت بقي فيه المستثمرون مترددين بين مؤشرات صلابة الاقتصاد الصيني وضغوط المشهد الخارجي.

وبحسب تقديرات أكاديمية صينية، فإن استقرار العملة يرتبط بقدر من التوازن الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد، لكنه يظل معرضاً لضغوط إذا استمرت صدمة الطاقة في التأثير على توقعات أسعار الفائدة عالمياً. وتُضاف إلى ذلك حالة عدم اليقين المرتبطة بمسار التوترات الإقليمية، وما إذا كانت ستؤدي إلى اضطراب إضافي في الأسواق والسلع الأساسية.

وفي المقابل، أظهر قطاع الخدمات في الصين نمواً بأسرع وتيرة له منذ ثلاثة أشهر خلال مايو، ما يمنح صناع السياسة بعض المؤشرات الإيجابية. لكن الصورة العامة للاقتصاد لا تزال غير متجانسة، إذ يواصل قطاعا الذكاء الاصطناعي والروبوتات تسجيل توسع قوي، بينما تعاني قطاعات تقليدية مثل العقارات من تباطؤ واضح.

البنك المركزي يواصل سحب السيولة الفائضة

في السياسة النقدية، أبقى بنك الشعب الصيني على نهجه الحذر تجاه وفرة السيولة في النظام المالي. وأوقف البنك يوم الخميس ضخ السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة لليوم الثاني على التوالي، مع تسجيل حجم صفري لعمليات إعادة الشراء العكسي لأجل سبعة أيام.

ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لتوجيه السيولة نحو الاقتصاد الحقيقي بدلاً من بقائها محصورة في النظام المصرفي أو تغذية المضاربات في أسواق المال. كما أن الفائض الكبير في السيولة ساعد على خفض أسعار الفائدة بين البنوك، ما دفع السلطات إلى التعامل مع الوضع بصورة أكثر انضباطاً.

ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه البنوك المركزية عالمياً إلى مواقف أكثر تشدداً نسبياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع كلفة الطاقة. لذلك تبدو مهمة بكين أكثر تعقيداً، إذ تحاول الموازنة بين دعم النمو المحلي والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف في بيئة خارجية غير مستقرة.

توقعات متحفظة لليوان خلال يونيو

مع تداخل العوامل المحلية والخارجية، تتوقع كلية الاقتصاد بجامعة بكين أن يتحرك سعر اليوان ضمن نطاق 6.72 إلى 6.83 يوان للدولار خلال يونيو. ويعكس هذا التقدير رؤية قائمة على توازن هش بين تحسن نسبي في النشاط الاقتصادي الداخلي وبين مخاطر خارجية تتمثل في الطاقة، وأسعار الفائدة العالمية، وتقلبات شهية المخاطرة.

وفي المدى القريب، من المرجح أن تظل الأسواق الصينية شديدة الحساسية لأي تطور جديد في الشرق الأوسط، سواء في مسار الشحن عبر المضائق البحرية أو في أسعار النفط العالمية. كما سيبقى قطاع التكنولوجيا، وخصوصاً أشباه الموصلات، أحد أهم مصادر الدعم في سوق يفتقر إلى زخم متوازن عبر معظم القطاعات.

وبينما تواصل المؤشرات الرئيسية تسجيل ضغوط، يبدو أن المستثمرين يميزون أكثر من أي وقت مضى بين القطاعات المتأثرة مباشرة بالاضطرابات الجيوسياسية وتلك التي تستفيد من التحول الهيكلي نحو التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي. وهذه الفجوة هي ما يفسر الأداء المتباين للأسواق الصينية في يوم اتسم بالحذر وتزايد الانتقائية الاستثمارية.