الأعمال والاقتصاد الرقمي 05-Jun-2026 6 دقائق قراءة

«إس كيه» الكورية تخطط لمضاعفة إنتاج رقائق السيليكون خلال خمس سنوات مع تسارع الطلب على الذكاء الاصطناعي

تعتزم مجموعة «إس كيه» الكورية الجنوبية مضاعفة طاقتها الإنتاجية من رقائق السيليكون خلال خمس سنوات، مستفيدة من الطلب المتنامي على رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في وقت تحتدم فيه المنافسة بين كبار صناع أشباه الموصلات.

خطة توسع مرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي

تتحرك مجموعة «إس كيه» الكورية الجنوبية نحو رفع طاقتها الإنتاجية من رقائق السيليكون إلى مستوى مضاعف خلال السنوات الخمس المقبلة، في رهان واضح على أن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي سيبقى المحرك الأهم لسوق الذاكرة خلال الأعوام المقبلة. وتأتي هذه الخطة من الشركة الأم لـ«إس كيه هاينكس»، أحد أبرز اللاعبين العالميين في صناعة الرقائق.

وقال تشي تاي-وون، رئيس مجلس إدارة المجموعة، إن الشركة تستعد لتوسيع قدرتها الإنتاجية رغم ما يحيط بالقطاع من قيود تشغيلية وتحديات في سلاسل الإمداد. وأوضح خلال مشاركته في مؤتمر «كومبيوتكس» في تايبيه أن الهدف هو رفع الطاقة الإجمالية إلى مستوى مضاعف بحلول نهاية الفترة الزمنية المحددة، في إشارة إلى ثقة الإدارة في استمرار الدورة الصاعدة لسوق الرقائق.

ويعكس هذا التوجه تحوّلاً مهماً في صناعة الذاكرة، التي كانت تاريخياً من أكثر القطاعات تأثراً بالتقلبات الدورية، لكنها باتت اليوم تستفيد من موجة استثمار ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما مراكز البيانات والمعالجات المتقدمة.

إس كيه هاينكس في صدارة سوق HBM

تُعد «إس كيه هاينكس» المورد الرئيسي لشركة «إنفيديا» في رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي، المعروفة اختصاراً باسم HBM، وهي مكوّن أساسي في الأنظمة المخصصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. وبحسب بيانات «كونتربوينت ريسيرش»، استحوذت الشركة على 58 في المائة من السوق العالمية في الربع الأول، مقابل 21 في المائة لكل من «سامسونغ إلكترونيكس» و«ميكرون تكنولوجي».

وتمنح هذه الحصة الكبيرة الشركة الكورية موقعاً متقدماً في أحد أكثر قطاعات أشباه الموصلات نمواً وربحية. فمع توسع استخدام النماذج التوليدية وتزايد الحاجة إلى معالجة كميات ضخمة من البيانات، باتت رقائق الذاكرة السريعة أحد العناصر الأكثر حساسية في سلاسل التوريد التقنية.

ويرى تشي تاي-وون أن الجيل المقبل من أنظمة «إنفيديا» سيحتاج إلى كميات أكبر من الذاكرة، ما يدعم الرؤية طويلة الأجل للشركة. كما عبّر عن أمله في أن تصبح «إس كيه هاينكس» مورداً رئيسياً لمنصة «فيرا روبن» المتقدمة التي تعمل «إنفيديا» على تطويرها.

اختناقات إمداد متوقعة حتى 2030

رغم الخطط التوسعية، لا تزال الإدارة ترى أن السوق العالمية لن تتخلص سريعاً من ضغوط الإمداد. ويقدّر تشي أن اختناقات سوق الذاكرة قد تستمر حتى عام 2030، وهو ما يعكس توقعاً بأن الطلب سيبقى متفوقاً على المعروض خلال سنوات عدة، لا سيما مع استمرار الشركات الكبرى في رفع إنفاقها على الذكاء الاصطناعي.

هذه القراءة تتماشى مع التحول الأوسع داخل الصناعة، حيث لم تعد مشكلة الإنتاج تدور فقط حول السعة التصنيعية التقليدية، بل أيضاً حول القدرة على توفير منتجات متقدمة بخصائص حرارية وتقنية دقيقة تلائم متطلبات الحوسبة الحديثة.

وفي هذا السياق، أصبحت مرونة التوسع، وسرعة تطوير الأجيال الجديدة، وشراكات التوريد مع كبار العملاء، عناصر حاسمة في تحديد من سيقود السوق في المرحلة المقبلة.

المنافسة تحتدم بين سامسونغ وميكرون

تتسع المنافسة في سوق HBM مع تحرك الشركات الأخرى لتعزيز مواقعها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد كشفت «سامسونغ» عن نموذج أولي لشريحة الجيل الخامس من الذاكرة عالية النطاق الترددي، إلى جانب تقنية جديدة لإدارة الحرارة، كما بدأت شحن عينات من الجيل الرابع المطور إلى العملاء.

أما «إس كيه هاينكس»، فتتعامل مع تطوير الجيل الرابع المطور بناءً على طلبات العملاء الفعلية، في إشارة إلى أن وتيرة التوسع ليست تقنية فقط، بل تجارية أيضاً. وقال تشي إن هناك عميلاً واحداً فقط حالياً لهذا الجيل من الرقائق، في إشارة إلى «إنفيديا»، ما يوضح مدى ارتباط القرارات الإنتاجية بعلاقات التوريد مع كبار المشترين.

هذا التنافس لا يقتصر على المواصفات التقنية، بل يمتد إلى القدرة على ضمان الاستقرار في الأسعار والتوافر والسرعة في التسليم، وهي عناصر باتت أساسية في سوق تعتمد بشكل متزايد على دورات إطلاق منتجات الذكاء الاصطناعي.

تقييمات إيجابية ومكاسب سوقية قوية

تنعكس هذه الديناميكية على توقعات الأرباح وتقييمات السوق. فقد رفعت «غولدمان ساكس» توقعاتها لأرباح التشغيل لعام 2028 لكل من «إس كيه هاينكس» و«سامسونغ»، بما يشير إلى قناعة متزايدة بأن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيحافظ على زخمه لفترة طويلة.

وفي الوقت نفسه، تجاوزت القيمة السوقية لـ«إس كيه هاينكس» تريليون دولار للمرة الأولى الأسبوع الماضي، لتنضم إلى مجموعة الشركات العملاقة المستفيدة من صعود قطاع الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا الإنجاز كيف أصبحت شركات الذاكرة، التي كانت تُعامل تقليدياً كأعمال دورية، جزءاً مركزياً من قصة النمو الجديدة في التكنولوجيا العالمية.

غير أن هذا الصعود يفرض أيضاً ضغوطاً على الشركات للحفاظ على التوازن بين التوسع السريع والانضباط السعري. فالتقلبات الحادة في الأسعار قد تضر بالمنظومة الأوسع، وتؤثر في استدامة الطلب من العملاء النهائيين.

تحذير من ارتفاع الأسعار المفرط

شدد تشي على أن الصناعة تحتاج إلى نمو مستدام لا إلى ارتفاعات سعرية مبالغ فيها. وبرأيه، فإن موجة الذكاء الاصطناعي لن تظل قوية إذا أصبحت تكلفة المكونات الأساسية عبئاً على منظومة التطوير والتشغيل. لذلك، فإن الحفاظ على توازن صحي في سوق الذاكرة يعد شرطاً لاستمرار دورة الاستثمار الحالية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأن شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تعتمد على سلاسل توريد دقيقة وحساسة. وأي قفزة كبيرة في الأسعار قد تؤخر المشاريع أو تقلص هوامش الربح أو تعيد ترتيب الأولويات الاستثمارية لدى كبار العملاء.

وبينما تتسابق الشركات على الحصة السوقية، يبدو أن معركة السنوات المقبلة لن تحسم فقط على مستوى القدرة الإنتاجية، بل أيضاً على مستوى القدرة على تلبية الطلب المتزايد من دون الإضرار بآفاق النمو طويلة الأجل.

شراكات أوسع في آسيا

إلى جانب التوسع الصناعي، تسعى «إس كيه هاينكس» إلى تعزيز حضورها الإقليمي عبر توسيع شراكاتها في تايوان، ليس فقط مع شركة تصنيع الرقائق الأكبر في العالم، بل مع شبكة أوسع من الشركاء في منظومة أشباه الموصلات. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً بأن صناعة الرقائق لم تعد تعتمد على لاعب واحد أو موقع إنتاج واحد، بل على تكامل إقليمي واسع النطاق.

وفي سوق تتغير فيه الموازين بسرعة، تراهن «إس كيه» على أن الاستثمار المبكر في الطاقة الإنتاجية، إلى جانب الحفاظ على موقع متقدم في رقائق HBM، قد يمنحها أفضلية مستدامة خلال دورة الذكاء الاصطناعي المقبلة.