تحذير رسمي في مواجهة هبوط الين
رفعت السلطات اليابانية مستوى التحذير من تحركات العملة، مؤكدة أنها مستعدة للتحرك إذا استمر الين في الهبوط بوتيرة تُعدّ مفرطة. ويأتي هذا الموقف في وقت تراقب فيه طوكيو عن كثب التأثيرات المتداخلة بين ضعف العملة وارتفاع أسعار الواردات وتكاليف المعيشة، وهي عوامل تضغط مباشرة على الأسر والشركات في آن واحد.
ورغم لهجة الحزم، لم ينجح التجديد اللفظي لتهديد التدخل في إبعاد الين عن مستوياته المتدنية. فقد لامس مستوى 160.295 يناً للدولار، وهو نطاق يُنظر إليه باعتباره حساساً للغاية من زاوية احتمالات التدخل الرسمي، لكنه بقي قريباً منه دون أن يحقق ارتداداً واضحاً ومستداماً.
وقالت وزيرة المالية إن موقف الحكومة ثابت، وإنها تراقب التطورات عن قرب، مع الاستعداد لاتخاذ إجراءات حاسمة إذا تطلب الأمر. غير أن السوق بدا أقل استجابة هذه المرة، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يشككون في قدرة التهديد الكلامي وحده على تغيير الاتجاه السائد.
محدودية أثر التدخل السابق
تُظهر البيانات أن اليابان أنفقت نحو 11.7 تريليون ين، أي ما يقارب 73 مليار دولار، للتدخل في أسواق الصرف الأجنبي خلال عدة مرات بين أواخر أبريل وأوائل مايو بهدف دعم الين. ومع ذلك، ظل أثر هذه العمليات محدوداً، إذ استعاد الين لاحقاً معظم خسائره ومحو المكاسب التي حققها بعد التدخل.
هذا التطور يعكس تحدياً معقداً أمام صناع السياسات: فالتدخل يوفّر دعماً مؤقتاً للعملة، لكنه لا يعالج بالضرورة العوامل الأساسية التي تدفعها للضعف، مثل فروق أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، وتوقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية، والاتجاهات العالمية في المخاطرة.
وبحسب تقديرات السوق، فإن اليابان تدخلت بالفعل في وقت سابق بكلفة مالية كبيرة، لكن التراجع المستمر في قيمة الين أظهر أن الأسواق قادرة على اختبار حدود قدرة السلطات على ضبط التحركات السريعة، خاصة عندما تكون القوى الدافعة مرتبطة بأساسيات نقدية أوسع من قدرة التدخل الفوري على تغييرها.
الاستعداد لرفع الفائدة لا يكفي وحده
كان كثير من المتعاملين يأملون أن تدفع الإشارات المتشددة من بنك اليابان إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة، إلا أن هذا المسار لم ينجح في دعم الين بالشكل المطلوب. ويعكس ذلك أن الأسواق تضع في الحسبان ليس فقط احتمال رفع الفائدة الأسبوع المقبل، بل أيضاً السرعة التي يمكن أن يتحرك بها البنك المركزي لاحقاً مقارنةً بالبنوك المركزية الأخرى.
ومن المتوقع أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي إلى 1 في المائة من 0.75 في المائة، في اجتماع السياسة النقدية الذي ينتهي في 16 يونيو، ما لم تحدث تطورات حادة في الشرق الأوسط تؤدي إلى اضطراب أكبر في الأسواق. لكن حتى هذا الاحتمال، إذا تحقق، قد لا يكون كافياً وحده لتوفير دعم قوي ومستدام للين ما لم تتغير نبرة السياسة النقدية على نطاق أوسع.
ويشير هذا إلى أن اليابان تتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه: الدفاع عن العملة، ومراقبة التضخم المستورد، وعدم إضعاف الاقتصاد المحلي عبر تشديد مفرط في توقيت لا يزال هشاً.
عوائد السندات تزيد المعادلة تعقيداً
في موازاة ضغوط العملة، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية، مع صعود عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 2.740 في المائة، مدفوعاً بموجة القلق من الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب الإيرانية وتداعياتها على الطاقة والأسواق المالية. وعلى الرغم من هذا الارتفاع، لم يكن أثره كافياً لوقف تراجع الين.
اللافت أن الحكومة لا تنظر إلى العوائد المرتفعة باعتبارها مكسباً تلقائياً، إذ حذر وزير الإنعاش الاقتصادي من أن ارتفاع أسعار الفائدة قد ينعكس على الاقتصاد عبر قنوات متعددة، بما في ذلك كلفة التمويل والإنفاق الاستثماري والطلب المحلي. لذلك تبدو طوكيو في وضع صعب: فالعوائد المرتفعة قد تعكس توقعات تشديد السياسة النقدية، لكنها في الوقت نفسه تضغط على النشاط الاقتصادي وتزيد حساسية الدين العام الكبير أصلاً.
وتتعزز هذه المعضلة لأن الين الضعيف يرفع كلفة الواردات، بينما يشكل ارتفاع العوائد عبئاً إضافياً على المالية العامة. وبين الضغوطين، تحاول السلطات الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار السعري والاستقرار المالي.
أولويات مالية توسعية رغم الضغوط
تدفع الحكومة اليابانية باتجاه سياسات مالية أكثر دعماً للنمو، في وقت تتزايد فيه الأكلاف المرتبطة بالدعم المقدم للوقود، وبخطط تجميد مؤقت لضريبة المبيعات على المواد الغذائية بنسبة 8 في المائة. هذه الإجراءات تهدف إلى تخفيف ضغط المعيشة، لكنها تزيد في المقابل العبء على المالية العامة في اقتصاد يعاني من مستويات دين مرتفعة وتحديات هيكلية طويلة الأمد.
وقدّم أحد اللجان المؤثرة داخل الحزب الحاكم قائمة توصيات تدعو إلى المضي في تجميد الضريبة، والنظر في زيادة الإنفاق إذا لزم الأمر للتخفيف من أثر الاضطرابات الخارجية. كما شددت القائمة على أن الحكومة، في أوقات الأزمات، ينبغي أن تتجنب رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق إذا كان ذلك سيؤخر تحقيق الأهداف المالية.
وتذهب هذه المقترحات إلى ما هو أبعد من السياسة المالية المباشرة، إذ تتضمن أيضاً تساؤلات حول الإطار القانوني الذي ينظم استقلالية بنك اليابان، في إشارة إلى رغبة بعض دوائر السلطة في منح السياسة الاقتصادية دوراً أكبر في دعم النمو ولو على حساب قدر من الانضباط النقدي.
رسائل للأسواق أكثر من كونها حلولاً نهائية
من الواضح أن صناع القرار في اليابان يحاولون إرسال رسالة مزدوجة: لن يُترك الين للهبوط الحر، لكن الحكومة أيضاً لا تريد خنق التعافي الاقتصادي بتشديد سريع. لهذا السبب تتكرر عبارات الاستعداد للتحرك الحاسم، بالتوازي مع دعوات إلى تعاون وثيق مع البنك المركزي لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة على المدى الطويل.
غير أن قدرة هذه الرسائل على تغيير سلوك السوق تبقى محدودة ما لم تترافق مع إشارات أوضح بشأن الفائدة، والتدخل، والتنسيق بين السياسة النقدية والمالية. وفي ظل استمرار تقلب أسعار الطاقة العالمية، وتحوّل العملة إلى محور رئيسي في معادلة التضخم، تبدو اليابان أمام اختبار صعب لمدى قدرتها على حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية دون فتح جبهة ضغط جديدة داخلياً.
وبينما يترقب المستثمرون الخطوة التالية لبنك اليابان، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السلطات ستكتفي بالتحذير والانتظار، أم أنها ستختبر مجدداً أدوات التدخل المباشر إذا واصل الين التراجع نحو مستويات أكثر حساسية.