الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Feb-2026 5 دقائق قراءة

تايوان تتوقع أسرع نمو اقتصادي منذ 16 عاماً في 2026 بدعم من الطلب على الذكاء الاصطناعي

رفعت تايوان توقعاتها للنمو الاقتصادي في 2026 إلى 9.64%، في أقوى وتيرة منذ 2010، مدفوعة بالطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء وازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية.

قفزة جديدة في توقعات النمو

رفعت وكالة الإحصاء الحكومية في تايوان تقديراتها للنمو الاقتصادي في عام 2026 إلى مستوى لافت يعكس استمرار الزخم الذي تمنحه صناعة التكنولوجيا للاقتصاد المحلي. وتشير التوقعات الجديدة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد ينمو بنسبة 9.64 في المائة على أساس سنوي، وهو أعلى معدل تتوقعه الجزيرة منذ 16 عاماً.

هذا التعديل يأتي بعد أن كانت التقديرات السابقة أقل بكثير، إذ كانت الوكالة ترجح في فبراير نمواً عند 7.71 في المائة فقط. ويعني ذلك أن الاقتصاد التايواني يدخل 2026 مدعوماً بموجة طلب قوية على المنتجات والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، وهو ما يرسخ موقع تايوان كأحد أهم مراكز الاقتصاد الرقمي عالمياً.

وبحسب البيانات الرسمية، فإن هذا المستوى من النمو هو الأعلى منذ عام 2010، عندما سجل الاقتصاد التايواني توسعاً بلغ 10.25 في المائة. ويعكس ذلك تحولاً واضحاً في دورة الاقتصاد المحلي، بعد سنوات من التباطؤ النسبي والتقلبات المرتبطة بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

الرقائق والذكاء الاصطناعي يقودان النشاط

يلعب قطاع أشباه الموصلات الدور الأكثر تأثيراً في هذا الأداء، في ظل المكانة المحورية التي تحتفظ بها تايوان داخل سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي العالمية. وتستفيد البلاد من الطلب المتزايد على الرقائق المتقدمة المستخدمة في مراكز البيانات والحواسيب عالية الأداء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتتمركز هذه المنظومة حول شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات، أكبر مصنع للرقائق في العالم، والتي تزود شركات تكنولوجية كبرى مثل إنفيديا وآبل. ومع استمرار توسع الإنفاق الرأسمالي من جانب مزودي الخدمات السحابية حول العالم، تواصل المصانع التايوانية تشغيل طاقتها في مستويات مرتفعة لتلبية الطلب العالمي.

الوكالة أوضحت أيضاً أن الطلب القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء والبنية التحتية السحابية تجاوز التوقعات السابقة، وهو ما انعكس في رفع تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من عام 2026 إلى 14.55 في المائة، مقارنة بتقدير سابق عند 13.69 في المائة. ويعد هذا الأسرع منذ نحو 48 عاماً على أساس فصلي.

أثر ممتد على الصادرات والاستثمار

تتوقع تايوان أن ينعكس هذا الزخم التقني بقوة على التجارة الخارجية. فقد رفعت الوكالة تقديرات نمو الصادرات في 2026 إلى 39.77 في المائة، وهو أسرع معدل متوقع منذ خمسة عقود، مقارنة بتقدير سابق بلغ 22.22 في المائة فقط. ويظهر هذا الرقم حجم الاعتماد المتزايد على الطلب العالمي في دعم الاقتصاد التايواني.

كما أشارت التقديرات إلى أن الاقتصاد حقق في 2025 نمواً بنسبة 8.76 في المائة، وهو أسرع توسع سنوي منذ 15 عاماً، ما يؤكد أن المسار الصعودي ليس حدثاً عابراً بل امتداداً لاتجاه بدأ يكتسب قوة مع الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي.

هذا الأداء يمنح الشركات التايوانية في سلاسل الإمداد الإلكترونية والصناعات المرتبطة بها مساحة أكبر للتوسع والاستثمار، خصوصاً في مجالات التصنيع المتقدم، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات الداعمة للعمليات السحابية ومراكز البيانات.

السياسة النقدية تحت المراقبة

الزخم الاقتصادي القوي قد يترك آثاراً مباشرة على السياسة النقدية. فبحسب محللين، من المرجح أن يبقي البنك المركزي التايواني أسعار الفائدة دون تغيير خلال العام الحالي، في ظل غياب ضغوط تضخمية تستدعي التشديد. ويرى مراقبون أن قوة النمو تمنح البنك مساحة للتمسك بسياسة مستقرة بدلاً من التحرك السريع نحو رفع الفائدة.

وقال أحد المحللين إن مستويات التضخم الحالية لا تشير إلى حاجة ملحة لتعديل السياسة النقدية، ما يعزز توقعات التثبيت خلال اجتماعات البنك المقبلة. ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي اجتماعه الفصلي التالي في 18 يونيو.

وفي تقريره السنوي عن الاستقرار المالي، أكد البنك أنه سيعتمد إجراءات في التوقيت المناسب للحفاظ على الاستقرار المالي، خاصة في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية الأميركية، وضعف الاقتصاد الصيني، والتوترات الجيوسياسية. كما شدد على أنه سيواصل مراقبة التطورات عن كثب مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف.

التضخم لا يزال دون الهدف

على صعيد الأسعار، تتوقع الوكالة أن يبلغ معدل التضخم 1.93 في المائة في 2026، أي أقل من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، وإن كان أعلى قليلاً من التقدير السابق البالغ 1.68 في المائة. ويشير ذلك إلى أن النمو المتسارع لا يزال، في الوقت الراهن، منضبطاً نسبياً من زاوية الأسعار.

غير أن استمرار ارتفاع الطلب على المكونات الإلكترونية والمنتجات المرتبطة بالحوسبة السحابية قد يفرض لاحقاً ضغوطاً على تكاليف الإنتاج والطاقة وسلاسل التوريد، خصوصاً إذا تزايدت التوترات التجارية أو ظهرت اختناقات جديدة في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، تبدو تايوان في موقع يتيح لها الاستفادة من الطفرة الرقمية العالمية، لكنها تظل مكشوفة في الوقت نفسه أمام تغيرات الطلب الخارجي، نظراً لاعتمادها الكبير على الصادرات وعلى مكانتها ضمن الحلقة الأكثر حساسية في الاقتصاد التكنولوجي العالمي.

ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد الرقمي العالمي

تؤكد التوقعات التايوانية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع واعد، بل أصبح محركاً حقيقياً للنمو في الاقتصادات المرتبطة بصناعة الرقائق والحوسبة المتقدمة. فالتوسع في مراكز البيانات والبنية السحابية والأنظمة المعتمدة على المعالجات عالية الأداء يدفع حالياً الطلب على سلسلة واسعة من المكونات والخدمات الصناعية.

وتبرز تايوان كأحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، بفضل تراكم خبرتها الصناعية، وتقدمها في تصنيع الرقائق الدقيقة، وارتباطها الوثيق بالشركات الكبرى التي تقود سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. وإذا تحققت هذه التوقعات، فإن 2026 قد يصبح عاماً فارقاً في إعادة رسم وزن تايوان داخل الاقتصاد الرقمي الدولي.