تشهد الشركات الصغيرة والمتوسطة في بريطانيا تسارعاً واضحاً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، مع انتقال هذه التقنيات من مرحلة التجربة إلى الاستخدام اليومي في المهام التشغيلية والتسويقية والتحليلية. لكن هذا التوسع السريع لا يخلو من توتر متزايد، إذ تظهر في المقابل أسئلة أكثر حدة حول دقة المخرجات، وأمن البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية القانونية عند وقوع الأخطاء.
وبحسب تقديرات حديثة، يمكن أن يضيف الاستخدام الأوسع للذكاء الاصطناعي نحو 42 مليار جنيه إسترليني إلى الاقتصاد البريطاني سنوياً. غير أن هذا الرقم يبقى مرتبطاً بقدرة الشركات الأصغر على اعتماد التكنولوجيا بثقة، وهو ما تصفه تقارير القطاع بأنه يواجه فجوة ثقة متنامية.
اعتماد متسارع بين الشركات الصغيرة
البيانات المتاحة تشير إلى أن 55% من الشركات الصغيرة في المملكة المتحدة باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ20% فقط في عام 2023. هذا النمو السريع يعكس تغيراً لافتاً في سلوك الشركات التي باتت ترى في هذه الأدوات وسيلة عملية لتقليل الوقت المستهلك في الأعمال الروتينية وتحسين الكفاءة العامة.
وتكشف دراسات قطاعية أن أكثر الاستخدامات شيوعاً تدور حول تحليل البيانات ودعم القرار، وأتمتة العمليات، والتفاعل مع العملاء، والتسويق، إضافة إلى إدارة التمويل والمخاطر. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في الأطراف، بل أصبح يدخل في صلب طريقة عمل العديد من الشركات الصغيرة.
كما تُظهر بعض الأبحاث أن القيادات النسائية في الأعمال تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة نمو أكثر من كونه مجرد وسيلة لخفض التكاليف. وتشير النتائج إلى أن رائدات الأعمال أكثر ميلاً إلى توسيع تطبيقاته على مستوى الشركة بالكامل، مع مستوى مرتفع من التفاؤل تجاه أثره المستقبلي.
مخاوف من البيانات وحقوق النشر والمسؤولية
ورغم هذا الزخم، فإن القلق من المخاطر ارتفع بوضوح خلال العامين الماضيين. فقد أصبحت 92% من الشركات، بحسب التقرير، تعبّر عن مخاوف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ73% في 2023. وتتصدر قائمة المخاوف مسألة الإجابات غير الدقيقة التي تنتجها بعض النماذج، إلى جانب أمن المعلومات، واستغلال حقوق الملكية الفكرية، وضعف الشفافية في تدريب النماذج.
وتشمل الهواجس أيضاً احتمال التورط في مسؤولية قانونية أو تنظيمية، إلى جانب الغموض حول الاستخدام الأخلاقي والقانوني السليم لهذه الأدوات. هذه المخاوف ليست نظرية فقط، بل ترتبط مباشرة بالطريقة التي تتعامل بها الشركات الصغيرة مع البيانات الحساسة والعمليات اليومية.
ويحذر مختصون في أمن المعلومات وحماية البيانات من أن وتيرة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد تتقدم أحياناً على مستوى الحوكمة الداخلية. وفي هذه الحالة، قد يستخدم الموظفون أدوات لم يتلقوا تدريباً عليها، أو يمررون بيانات حساسة عبر أنظمة لم يراجعها أصحاب العمل، من دون أن تكون لدى الإدارة رؤية كاملة لما يحدث.
وفي حال ظهور مشكلة، مثل تسرب بيانات موارد بشرية عبر أداة بحث معتمدة على الذكاء الاصطناعي، أو تقديم روبوت محادثة معلومات مضللة، أو إنتاج تقرير يحتوي على بيانات غير صحيحة، فقد لا تكون هناك آلية واضحة لتحديد المسؤولية أو معالجة الخلل بسرعة.
دعوات إلى قواعد أوضح وشفافية أكبر
في ظل هذه الصورة، يدعو اتحاد الشركات الصغيرة في بريطانيا إلى إطار تنظيمي أوضح يوازن بين تشجيع الابتكار وتقليل المخاطر على الشركات الناشئة والصغيرة. ويركز الاتحاد بشكل خاص على ضرورة إلزام مزودي أدوات الذكاء الاصطناعي بمزيد من الشفافية، عبر ما يُعرف بـ"بطاقات النماذج" التي تشرح بوضوح كيف تعمل الأنظمة وكيف تتعامل مع البيانات.
وتشمل هذه المقترحات توضيح مكان تخزين البيانات، وما إذا كانت تُستخدم في تدريب النماذج، ومن يملك المخرجات التي يولدها النظام، وما الجهة المسؤولة إذا حدثت مشكلة أو خطأ. بالنسبة للشركات الصغيرة، لا يتعلق الأمر بالتنظيم فقط، بل ببناء الثقة اللازمة كي تستثمر في هذه الأدوات من دون خوف من تبعات غير واضحة.
كما يدعو الاتحاد إلى حماية أقوى للبيانات وحقوق الملكية الفكرية، مع تشديد الرقابة على الشركات التي تستخدم مواد محمية بحقوق النشر في تدريب النماذج من دون إذن. ويشمل ذلك أيضاً توفير إرشادات رسمية، وبرامج اعتماد، وشهادات تساعد الشركات على اختيار الأدوات الموثوقة وتطبيقها بصورة مسؤولة.
ومن بين المطالب المطروحة كذلك تقديم حوافز ضريبية تشجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الإنتاجية الأخرى. والهدف من ذلك هو تخفيف عبء التكاليف الأولية التي قد تمنع الشركات الأصغر من تبني التكنولوجيا، رغم قدرتها المحتملة على رفع الكفاءة وتحسين النمو.
ما الذي يعنيه ذلك لقطاع الشركات الناشئة؟
بالنسبة إلى الشركات الناشئة، يحمل هذا النقاش دلالة مهمة: النجاح في استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على القدرة على الوصول إلى الأدوات، بل على وجود بيئة تنظيمية وتشغيلية تتيح استخدامها بثقة. فالشركة الناشئة التي تتعامل مع بيانات العملاء أو المحتوى أو القرارات التشغيلية تحتاج إلى وضوح أكبر من مجرد الوعود التقنية.
كما أن الشركات في مراحلها المبكرة تكون عادة أقل قدرة على تحمل الأخطاء القانونية أو التشغيلية، وهو ما يجعل مسألة الحوكمة والتدريب والمراجعة أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي بيئة تتسارع فيها الابتكارات، قد تصبح القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بأمان ميزة تنافسية بحد ذاتها.
التقرير يرسم في النهاية صورة مزدوجة: حماس واسع للتكنولوجيا من جهة، وقلق متزايد من تبعاتها من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، يبدو أن مستقبل التبني الواسع للذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة سيعتمد على مدى قدرة السياسات العامة والموردين أنفسهم على سد فجوة الثقة الحالية.