الشركات الناشئة 21-Mar-2026 6 دقائق قراءة

موجة الشركات الناشئة المقبلة في السعودية تتجه إلى الذكاء الاصطناعي والاستدامة الصناعية

تشير مؤشرات السوق في السعودية إلى صعود جيل جديد من الشركات الناشئة يركز على بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي وحلول تقلل الهدر وتحوّل المخلفات إلى منتجات قابلة للاستخدام.

تتجه بيئة الشركات الناشئة في السعودية إلى مرحلة جديدة تجمع بين مسارين رئيسيين: توسيع قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي من جهة، وبناء حلول للاستدامة والاقتصاد الدائري من جهة أخرى. هذا التحول لا يعكس مجرد تنوع في القطاعات، بل يشير إلى نضج أكبر في السوق، حيث تنتقل الشركات من تطبيقات استهلاكية سريعة إلى مشروعات تعتمد على بنية تقنية عميقة أو تعالج مشكلات تشغيلية وبيئية مكلفة.

وتدعم هذه الموجة الجديدة عدة عوامل، منها اتساع برامج التسريع، وحضور الجامعات ومراكز الأبحاث، وزيادة المبادرات المدعومة حكومياً، إضافة إلى سوق محلية كبيرة يمكن استخدامها كحقل اختبار واسع للحلول الجديدة. وفي هذا السياق، أصبحت السعودية إحدى أكثر أسواق المنطقة نشاطاً في جذب وتمويل الشركات الناشئة.

السعودية في صدارة صفقات رأس المال الجريء

بحسب بيانات تقرير Emerging Venture Markets Report 2025 الصادر عن MAGNiTT، تصدرت السعودية أسواق المنطقة من حيث صفقات رأس المال الجريء، مستحوذة على 45% من إجمالي التمويل المستثمر، بما يعادل 1.72 مليار دولار. كما كانت السوق الأكثر نشاطاً من حيث عدد الصفقات، مع تسجيل 257 صفقة.

هذه الأرقام لا تعني فقط زيادة الأموال المتدفقة إلى السوق، بل تعكس أيضاً اتساع قاعدة المؤسسين والقطاعات التي تستقطب المستثمرين. فبعد سنوات ركزت فيها الأنظار على التطبيقات المالية والتجارة الإلكترونية، بدأ الاهتمام يتحول إلى مجالات تحتاج إلى وقت أطول للبناء، لكنها قد تولد قيمة أكبر على المدى الطويل، مثل الذكاء الاصطناعي الصناعي وتقنيات الغذاء والمواد البديلة.

الذكاء الاصطناعي كرهان وطني وشركاته الناشئة كأداة تنفيذ

تسارع السعودية في دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة تشمل التوظيف والخدمات اللوجستية والعمليات الصناعية والخدمات الحكومية. وفي مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2025، جاءت المملكة في المركز الخامس عالمياً من حيث نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، وفي المرتبة الأولى عربياً.

هذا الاتجاه يرتبط بأهداف رؤية 2030 التي تسعى إلى جعل المملكة مركزاً عالمياً للبيانات والذكاء الاصطناعي، عبر جذب نحو 20 مليار دولار من الاستثمارات، وتأهيل أكثر من 20 ألف متخصص، ودعم أكثر من 300 شركة ناشئة. عملياً، هذا يعني أن الشركات الجديدة لن تتحرك في فراغ، بل ضمن منظومة أوسع تشمل التمويل والبنية التحتية والطلب المؤسسي والتنظيم.

هيوماين وبناء طبقة متكاملة للذكاء الاصطناعي

من أبرز النماذج في هذا المسار شركة Humain التي أطلقت في مايو 2025 تحت مظلة صندوق الاستثمارات العامة. وتعمل الشركة على بناء منصة وطنية متكاملة تغطي كامل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من البنية التحتية السحابية والبيانات والنماذج الأساسية، وصولاً إلى التطبيقات العملية في القطاعات المختلفة.

فكرة هذا النموذج تقوم على أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في تطوير تطبيق أو مساعد ذكي، بل تتطلب امتلاك طبقات متعددة من المنظومة التقنية. لذلك تراهن الشركة على تطوير بنية متكاملة يمكن استخدامها في المدن الذكية والخدمات الحكومية والطاقة والقطاع المالي.

كما عقدت شراكات مع شركات تقنية دولية كبرى تشمل Adobe وQualcomm وAMD وAWS وNvidia وCisco. ويمنح هذا النوع من الشراكات الشركات الناشئة أو المنصات الجديدة قدرة أسرع على التوسع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتأمين المعالجات والبنية السحابية والأدوات البرمجية اللازمة لتشغيل النماذج على نطاق واسع.

ومن بين الخطط المعلنة أيضاً تطوير نموذج لغوي عربي متعدد الوسائط يشمل اللهجات المحلية، في سوق لا تزال فيه اللغة العربية أقل تمثيلاً من لغات أخرى على الإنترنت وفي البيانات التدريبية. وهذا النوع من الاستثمار قد يفتح المجال أمام تطبيقات أكثر ملاءمة للسوق المحلية، سواء في خدمة العملاء أو التعليم أو القطاع العام.

من التوسع التقني إلى التوسع المادي

الرهان على الذكاء الاصطناعي في السعودية لا يقتصر على البرمجيات. فالتوسع في هذا المجال يتطلب مساحات للبنية التحتية ومراكز بيانات وقدرات كهربائية واتصالاً عالي الكفاءة. لذلك يظهر في السوق توجه لبناء أصول مادية تخدم الشركات التقنية، لا سيما مع الحديث عن تطوير حرم مخصص للذكاء الاصطناعي ومساحات واسعة مهيأة لهذا النوع من المشاريع.

وهذه النقطة مهمة في عالم الشركات الناشئة، لأن النجاح في بعض الفئات لم يعد مرتبطاً فقط بسرعة تطوير المنتج، بل بقدرة الشركة على تأمين الموارد الأساسية للتشغيل. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تشمل هذه الموارد الحوسبة والطاقة والبيانات والشركاء الصناعيين.

الاستدامة كفرصة سوقية وليست مجرد التزام بيئي

في المسار الثاني من موجة الشركات الناشئة الجديدة، تبرز شركات تحاول معالجة مشكلات قديمة لكنها مكلفة ومتكررة، مثل هدر الغذاء والتلوث البلاستيكي. هنا تتحول الاستدامة من عنوان عام إلى فرصة أعمال واضحة، لأن التحديات البيئية ترتبط مباشرة بخسائر مالية في سلاسل الإمداد والتصنيع والاستهلاك.

على المستوى العالمي، يهدر نحو ثلث الغذاء المنتج للاستهلاك البشري سنوياً، أي ما يقارب 1.3 مليار طن. وتشير تقديرات الأمم المتحدة المعنية بالمناخ إلى أن فاقد الغذاء وهدره مسؤولان عن 8% إلى 10% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وفي السعودية، تقدر تقارير مختلفة تكلفة هدر الغذاء بأكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، فيما تستهدف المملكة خفض الفاقد والهدر بنسبة 50% بحلول 2030.

يوفيرا وتوسيع عمر الغذاء بدون مواد كيميائية

ضمن هذا المسار، تعمل شركة Uvera التي تأسست في 2019 على تطوير تقنيات لإطالة عمر الأغذية الطازجة دون استخدام مواد كيميائية. وتعتمد الشركة على نظام يجمع بين الأشعة فوق البنفسجية والتفريغ الهوائي لتعقيم المنتجات الغذائية والحد من نمو البكتيريا.

وبحسب المعلومات المتاحة عن الشركة، يمكن لهذه التقنية أن تطيل مدة صلاحية بعض الأغذية الطازجة بنسبة تصل إلى 97%. وإذا ثبتت فاعلية هذا النوع من الحلول على نطاق واسع، فقد يساعد المتاجر والموزعين وشركات التوصيل على تقليل نسبة التلف، وهو ما ينعكس مباشرة على التكاليف والفاقد.

ولا يقتصر نموذج الشركة على الحفظ فقط، بل يشمل منصة لتتبع المنتجات الغذائية على امتداد سلسلة الإمداد، من المزارع ومراكز التوزيع إلى منافذ البيع والمستهلكين. هذا الجمع بين العتاد التقني والبيانات التشغيلية يمنح الشركات قدرة أفضل على إدارة المخزون وفهم نقاط الهدر. وفي العام الماضي، وقعت الشركة مذكرة تفاهم مع Careem لتطبيق تقنيات غذائية متقدمة وحلول لإدارة المخزون مدعومة بإنترنت الأشياء في متاجر الشركة، بهدف تقليل الفاقد.

بوليميرون وتحويل المخلفات الزراعية إلى مواد حيوية

شركة Polymeron تمثل اتجاهاً آخر داخل الاقتصاد الدائري، إذ تطور مواد بلاستيكية قابلة للتحلل انطلاقاً من المخلفات الزراعية. وتركز الشركة على إعادة استخدام هذه المخلفات في إنتاج حبيبات يمكن استخدامها في تطبيقات متنوعة، من بينها الطباعة ثلاثية الأبعاد وعمليات التصنيع البلاستيكي مثل القولبة بالحقن والتشكيل الحراري.

وتخطط الشركة لإعادة توظيف نحو 20 ألف طن من المخلفات سنوياً. ومن الأمثلة على ذلك استخدام مخلفات نخيل التمر لإنتاج حبيبات تدخل في عمليات تصنيع متعددة، إضافة إلى معالجة مخلفات فرشة الدواجن لإنتاج مواد يمكن استخدامها في أواني المشاتل وأكياس النفايات والأغشية الزراعية التي تساعد على حماية التربة والاحتفاظ بالرطوبة.

هذا النوع من الشركات يربط بين مشكلتين في الوقت نفسه: التخلص من المخلفات وتوفير بديل عن البلاستيك التقليدي. كما أنه يستفيد من قاعدة موارد محلية متاحة، وهو ما قد يمنحه ميزة من حيث الإمداد وتكلفة المواد الأولية. ووفق تقديرات الشركة، فإن السوق التي تستهدفها كانت بقيمة 13 مليار دولار في 2024، مع توقعات بنمو سنوي يبلغ 20% حتى 2029 لتصل إلى 34 مليار دولار.

دور الجامعات ومراكز الأبحاث في توليد الشركات

اللافت أن بعض هذه النماذج خرج من بيئات بحثية وأكاديمية مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. وهذا يبرز أهمية الربط بين البحث العلمي وريادة الأعمال، خصوصاً في المجالات التي تحتاج إلى تطوير تقني عميق واختبارات طويلة قبل الوصول إلى السوق.

في أنظمة الشركات الناشئة الأكثر نضجاً، لا يأتي الزخم فقط من المؤسسين أو المستثمرين، بل من مؤسسات قادرة على تحويل الأبحاث إلى منتجات وشركات. ومع توسع هذا النمط في السعودية، قد تظهر شركات أكثر تخصصاً في المواد المتقدمة والتقنيات الحيوية والطاقة والمياه، وهي مجالات تحتاجها السوق المحلية والإقليمية.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإطلاق

تجمع الشركات السعودية الناشئة الجديدة بين طموح تقني واضح وحلول لمشكلات تشغيلية وبيئية ملموسة. لكن المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرتها على تحويل هذا الزخم إلى أعمال قابلة للتوسع خارج السوق المحلية، وعلى بناء منتجات تستمر بعد مرحلة التمويل الأولي والشراكات المبكرة.

الذكاء الاصطناعي والاستدامة ليسا مسارين منفصلين تماماً، بل قد يلتقيان في إدارة الموارد والصناعة والزراعة وسلاسل التوريد. وإذا استمرت السعودية في دعم البنية التحتية والتمويل والبحث التطبيقي، فقد تنتج هذه الموجة شركات لا تكتفي بخدمة السوق المحلية، بل تنافس أيضاً في أسواق إقليمية وعالمية.

حتى الآن، تبدو الصورة واضحة: الجيل المقبل من الشركات الناشئة في المملكة لا يركز فقط على التطبيقات السريعة، بل على بناء أنظمة متكاملة، سواء في الحوسبة أو الاقتصاد الدائري. وهذا التحول قد يكون المؤشر الأهم على دخول السوق مرحلة أكثر عمقاً ونضجاً.