أرباح الشركات الصغيرة تصل إلى أعلى مستوى منذ 2022
رغم استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع التكاليف وتذبذب إنفاق المستهلكين، أظهرت الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة المتحدة قدرة واضحة على الصمود خلال عام 2026. ووفق دراسة حديثة صادرة عن Sage، ارتفعت أرباح هذه الفئة من الأعمال بنسبة 7.4% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، لتسجل أعلى مستوى لها منذ أربع سنوات.
كما أشار التقرير إلى أن الإيرادات نمت بنسبة 3.2% خلال الفترة نفسها، وهو ما يعني تسجيل نمو للربع الرابع على التوالي. وتعد هذه الأرقام مؤشراً مهماً على أن كثيراً من الشركات الأصغر حجماً تمكنت من التكيف مع بيئة تشغيلية صعبة، حتى مع استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد البريطاني.
وتباين الأداء الإقليمي بوضوح، إذ جاءت منطقة إيست ميدلاندز في الصدارة بمعدل نمو في الربحية بلغ 20.2%، تلتها ويست ميدلاندز بنسبة 16.3%، ثم لندن بنسبة 10.6%. هذا التوزع يعكس اختلاف قدرة المناطق على الاستفادة من الطلب المحلي ومن ديناميكية القطاعات الخدمية والتجارية فيها.
وقال ديرك بليكر، الرئيس التجاري في Sage، إن مجتمع الأعمال الصغيرة في بريطانيا ما زال يظهر قدرة استثنائية على التكيف والنمو، مضيفاً أن عودة الربحية إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات تعكس إصرار أصحاب الأعمال وابتكارهم، كما تفتح المجال أمام مزيد من التوسع إذا توفرت الظروف المناسبة.
المدفوعات المتأخرة تظل العقبة الأكبر أمام التوسع
على الرغم من الصورة الإيجابية التي تعكسها أرقام الأرباح، فإن مشكلة التأخر في السداد ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة. فهذه المشكلة لا تؤثر فقط على التدفقات النقدية اليومية، بل تمتد إلى قرارات التوظيف والاستثمار وتطوير الأعمال.
وتقدّر البيانات أن المدفوعات المتأخرة تكلف الاقتصاد البريطاني 11 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وهو رقم يوضح حجم الأثر التراكمي لهذه الظاهرة على الشركات الصغيرة. كما أظهر تقرير Sage أن 49% من فواتير الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت متأخرة السداد، مع متوسط انتظار يبلغ 27 يوماً للحصول على الدفعات.
وفي المقابل، تحتاج الشركات في المتوسط إلى 37.1 يوماً لتسديد فواتير الموردين، مقارنة بـ31.9 يوماً في الربع الأول من 2025. هذا التباطؤ في دورة الدفع يضغط على رأس المال العامل ويجعل الشركات أكثر عرضة لتأجيل خطط التوسع أو الإبقاء على مستويات توظيف محدودة.
وتؤكد أبحاث أخرى أن المشكلة تتجاوز الأثر المحاسبي المباشر، إذ أفادت Bibby Financial Services بأن 42% من الشركات عجزت عن دفع رواتب موظفيها في الوقت المناسب بسبب تأخر المدفوعات، بينما أوقفت 24% منها خطط التوظيف مؤقتاً. كما تشير بيانات حكومية إلى أن نحو 14 ألف شركة تغلق سنوياً نتيجة عدم تلقي مستحقاتها في الوقت المناسب.
وقالت إيما جونز، مفوضة الشركات الصغيرة، إن بيانات Sage توضح الحاجة إلى تحرك أكبر لمعالجة هذه المشكلة، لأن كثيراً من الشركات ما زالت تنتظر أسابيع للحصول على أموالها. وأكدت أن تحسين ممارسات الدفع يمنح الشركات وضوحاً أكبر بشأن السيولة، ويعزز ثقتها في الاستثمار والتوظيف والنمو.
خطوات عملية لتحسين التدفقات النقدية
مع استمرار هذه الضغوط، باتت إدارة التحصيل جزءاً أساسياً من استراتيجية أي شركة صغيرة أو ناشئة تريد الحفاظ على استقرارها المالي. وأول خطوة في هذا الاتجاه هي تحديد شروط الدفع بوضوح منذ البداية، وإدراجها في العقود والعروض والفواتير لتقليل الالتباس ومنع التأخير الناتج عن سوء الفهم.
وإذا أصبحت الفواتير متأخرة بالفعل، فإن التنبيهات الآلية قد تساعد على متابعة العملاء من دون استهلاك وقت كبير من الفريق الإداري. وتوفر بعض برامج المحاسبة، مثل Xero وQuickBooks، هذه الإمكانية ضمن أدواتها، ما يخفف العبء التشغيلي ويمنح الفريق المالي رؤية أسرع للحسابات المستحقة.
كما يُنصح بإجراء فحص ائتماني قبل الدخول في علاقات تجارية جديدة، خصوصاً مع العملاء الكبار أو الموردين الذين لا توجد معهم علاقة سابقة. ويساعد هذا الإجراء على تقييم مخاطر السداد مبكراً واتخاذ قرارات أكثر حذراً بشأن شروط الائتمان أو حدود التعامل.
وتوفر هيئة مفوض الشركات الصغيرة في المملكة المتحدة دليلاً تصنيفياً للشركات بحسب التزامها في معالجة الفواتير، وهو ما يمنح الموردين قدراً أفضل من الشفافية حول الجهات التي تملك سجلاً إيجابياً في السداد. وتصبح هذه الأدوات أكثر أهمية في بيئة لا تزال فيها السيولة أحد عوامل البقاء الأساسية بالنسبة للشركات الناشئة والصغيرة.
ومع توقع دخول إصلاحات جديدة على قوانين تأخير المدفوعات خلال العام المقبل، من المهم أن تستفيد الشركات من الموارد المتاحة لدى الجهة التنظيمية لفهم حقوقها وتسوية النزاعات وتقليل الأثر المالي للتأخير. وتشمل التغييرات المرتقبة سقفاً زمنياً مدته 60 يوماً للشركات الكبرى، إلى جانب فرض فوائد إلزامية ومساءلة على مستوى الإدارة، ما قد يساهم في تحسين الانضباط في سوق المدفوعات.
في المحصلة، تكشف الأرقام عن مشهد مزدوج: نمو في الأرباح وإشارات واضحة على مرونة القطاع، مقابل استمرار خلل هيكلي في دورة السداد يحد من قدرة الشركات على تحويل هذا النمو إلى توسع فعلي. وبالنسبة للشركات الناشئة والصغيرة، فإن معالجة فجوة المدفوعات قد تكون العامل الأكثر حسماً بين نمو متدرج ونمو قابل للاستدامة.