27-Jun-2026 5 دقائق قراءة

شركة ناشئة في سان فرانسيسكو تختبر زرعًا دماغيًا لرصد أورام الدماغ وعلاجها

شركة Coherence Neuro بدأت اختبار زرع دماغي صغير لدى ثلاثة مرضى خضعوا لجراحة إزالة أورام دماغية، في خطوة تمهد لتجارب أطول على جهاز يراقب نشاط الورم ويستخدم التحفيز الكهربائي للحد من نموه.

دخلت شركة ناشئة في سان فرانسيسكو، لها صلات بمجال واجهات الدماغ والحاسوب المرتبط بشركة نيورالينك، مرحلة اختبار مبكر لزرع دماغي صغير صُمم لرصد أورام الدماغ والتعامل معها عبر التحفيز الكهربائي. الخطوة الأخيرة تمثل انتقالًا مهمًا من الفكرة البحثية إلى الاستخدام البشري الأولي، لكنها لا تزال في نطاق التقييم القصير والاحترازي قبل أي تجربة طويلة الأمد.

الشركة، التي تحمل اسم Coherence Neuro، وضعت جهازها مؤقتًا داخل أدمغة ثلاثة أشخاص أثناء خضوعهم لعمليات إزالة أورام دماغية في مستشفى رويال ملبورن بأستراليا. بقي الزرع في مكانه نحو 30 دقيقة فقط، ثم أزيل بعد انتهاء الاختبار. هذا الإجراء لم يكن علاجًا كاملاً، بل فحصًا مبكرًا للسلامة يسبق أي محاولة لزرعه لفترات أطول لدى مرضى السرطان.

الفكرة التقنية وراء الجهاز تقوم على التقاط الإشارات الكهربائية المميزة للأنسجة السرطانية، ثم استخدام نبضات كهربائية خفيفة بهدف إبطاء نمو الورم أو تعطيل قدرته على التوسع. ويصنف الجهاز ضمن فئة واجهات الدماغ والحاسوب، لكن استخدامه هنا لا يهدف إلى استعادة الحركة أو التواصل، بل إلى مراقبة المرض والتدخل علاجيًا داخل بيئة الدماغ نفسها.

من مراقبة الإشارات إلى التدخل العلاجي

تعتمد Coherence Neuro على فرضية علمية راسخة نسبيًا مفادها أن بعض أنواع السرطان في الدماغ تتصرف كأنها جزء من شبكة عصبية نشطة، وليست مجرد كتلة خلايا خارجة عن السيطرة. هذا التصور اكتسب دعمًا من أبحاث سابقة أظهرت أن الأورام الدبقية عالية الدرجة قد تنشئ وصلات مع الخلايا العصبية السليمة، ما يساعدها على النمو. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن تعطيل النشاط الكهربائي داخل الورم قد يحد من انقسام الخلايا السرطانية.

من هنا، صممت الشركة زرعها ليكون مدمجًا داخل الجمجمة، مع 16 خيطًا تمتد إلى نسيج الدماغ لالتقاط الإشارات وتحفيزها عند الحاجة. ويختلف هذا النهج عن الأجهزة القابلة للارتداء التي تعتمد على لاصقات خارجية أو أسلاك وبطاريات يحملها المريض، إذ تسعى الشركة إلى تقديم طريقة أكثر راحة وأقرب إلى التداخل الجراحي المباشر أثناء عملية استئصال الورم نفسها.

ويأتي هذا التوجه في سياق محدودية الخيارات المتاحة لبعض المرضى، خصوصًا المصابين بـ glioblastoma، وهو النوع الذي تستهدفه الشركة أولًا. هذا الورم يُعد من أكثر أورام الدماغ الخبيثة عدوانية، ويعود ظهوره كثيرًا حتى بعد الاستئصال الجراحي. وبحسب البيانات الطبية المتداولة، فإن متوسط البقاء بعد التشخيص يتراوح غالبًا بين 15 و18 شهرًا، فيما تبقى معدلات النجاة لخمس سنوات دون 10%.

لماذا تستهدف الشركة glioblastoma أولًا

اختيار glioblastoma ليس عشوائيًا. فالأورام من هذا النوع تمثل تحديًا علاجيًا كبيرًا لأنها تنمو بسرعة، وتعيد تشكيل البيئة العصبية المحيطة بها، وغالبًا ما تظهر مرة أخرى بعد الجراحة حتى عندما ينجح الأطباء في إزالة الجزء الأكبر منها. لذلك ترى الشركة أن الجمع بين المراقبة المستمرة والتحفيز الكهربائي قد يوفر طبقة إضافية من الحماية في مرحلة ما بعد الجراحة، وهي الفترة التي تبقى فيها احتمالات الانتكاس مرتفعة.

في الوقت الحالي، يعتمد الأطباء على تصوير الرنين المغناطيسي كل شهرين أو ثلاثة لمتابعة نمو الورم وتعديل العلاج الدوائي. لكن هذا الإيقاع قد لا يكون كافيًا، لأن الورم قد يصبح أكثر عدوانية بين فحص وآخر. وتعتقد Coherence Neuro أن الرصد المستمر داخل الدماغ قد يمنح الأطباء إشارات مبكرة عن أي تغيّر خطير، بدل الاعتماد على صور متباعدة زمنياً.

كما تخطط الشركة لربط الجهاز بتطبيق رقمي يتيح للمريض تسجيل الأعراض وإرسالها إلى الفريق الطبي، إلى جانب بيانات الحالة المرضية وكمية التحفيز الكهربائي المستخدمة. وبذلك يمكن للأطباء تعديل الإعدادات عن بُعد، أو السماح للجهاز بإجراء بعض التعديلات تلقائيًا وفق المؤشرات التي يجمعها. وإذا اكتشف النظام تسارعًا غير طبيعي في نمو الورم، فقد يرسل تنبيهًا يدفع الأطباء إلى التدخل الجراحي قبل موعد التصوير التالي.

دور الخبرات المرتبطة بنيورالينك

يحظى المشروع بدعم لافت من أسماء ذات صلة مباشرة بمجال التقنيات العصبية المتقدمة. فماثيو ماكدوغال، جراح الأعصاب الرئيسي في نيورالينك، يعمل مستشارًا ومستثمرًا في Coherence Neuro. كما أن روري مورفي، جراح الأعصاب في معهد بارو للأمراض العصبية في أريزونا، والمشارك في أحد تجارب نيورالينك، من المتوقع أن يشارك أيضًا في التجارب المقبلة للجهاز الجديد.

هذا الارتباط يعكس تقاربًا متزايدًا بين الشركات الناشئة العاملة على تقنيات الدماغ وبين المراكز الطبية والبحثية التي تملك الخبرة اللازمة لتجريب أجهزة معقدة داخل الدماغ البشري. لكنه في الوقت نفسه يضع المشروع تحت مجهر علمي وتنظيمي صارم، لأن أي جهاز مزروع في الدماغ يجب أن يثبت أولًا سلامته قبل إثبات فعاليته العلاجية.

وتشير تجربة Coherence Neuro الحالية إلى أن المرحلة الأولى من التقييم ليست سوى بداية طريق طويل. فالاختبار القصير في ثلاثة مرضى لا يكفي للحكم على قدرة الجهاز على تحسين النتائج السريرية، لكنه يمنح الشركة إشارة أولية حول كيفية استجابة الدماغ للجهاز، ومدى ملاءمة التصميم للاستخدام الجراحي.

منافسة مع حلول قائمة وأفق سريري طويل

التوجه الجديد لا يظهر في فراغ. فهناك بالفعل أجهزة علاجية غير جراحية في السوق مثل Optune من Novocure، وهو جهاز قابل للارتداء تمت الموافقة عليه منذ 2011 لعلاج البالغين المصابين بالغلوبلاستوما، ثم حصل لاحقًا على موافقة تنظيمية لعلاج سرطان البنكرياس. يعمل هذا الجهاز عبر لاصقات توضع على فروة الرأس أو البطن بحسب نوع السرطان، ويمكنه تحسين البقاء لعدة أشهر إذا استُخدم لفترات طويلة يوميًا.

لكن هذه المقاربة لها حدود عملية واضحة، بدءًا من الحاجة إلى حلاقة الرأس، مرورًا بحمل البطارية في حقيبة أو على الحزام، وصولًا إلى محدودية الراحة اليومية للمريض. ولهذا تراهن Coherence Neuro على أن زرعًا مدمجًا داخل الجمجمة قد يكون أكثر ملاءمة على المدى البعيد، خصوصًا إذا أثبت أنه قادر على مراقبة الورم بشكل مستمر والتدخل في الوقت المناسب.

وتخطط الشركة لبدء تجربة سريرية جديدة العام المقبل لدى مرضى glioblastoma، على أن يكون الزرع هذه المرة دائمًا. وإذا نجحت هذه المرحلة، فقد تنتقل الشركة من اختبار السلامة القصير إلى إثبات القيمة العلاجية، وهي الخطوة الفاصلة التي تحدد ما إذا كان المشروع سيبقى ابتكارًا واعدًا أم يتحول إلى أداة طبية قابلة للاستخدام الفعلي.

في المحصلة، يمثل هذا النوع من الابتكارات مثالًا واضحًا على كيف تحاول الشركات الناشئة نقل الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الحيوية والطب العصبي إلى منطقة واحدة شديدة الحساسية: علاج السرطان من داخل الدماغ نفسه. والرهان هنا ليس فقط على دقة الرصد، بل على قدرة التقنية على التدخل في التوقيت الذي قد يحدث فيه الفارق الحقيقي للمريض.