27-Jun-2026 4 دقائق قراءة

السعودية تستحوذ على 72.8% من تمويل الأمن السيبراني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تؤكد بيانات الاستثمار الجريء أن السعودية أصبحت المركز الأبرز لتمويل شركات الأمن السيبراني في المنطقة، بعدما جذبت الحصة الأكبر من رأس المال المتجه إلى هذا القطاع منذ عام 2021، في وقت تتسارع فيه أهمية الأمن الرقمي داخل اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تواصل السعودية ترسيخ موقعها باعتبارها الوجهة الأبرز لرؤوس الأموال المتجهة إلى شركات الأمن السيبراني الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مشهد يعكس تنامي أهمية هذا القطاع داخل مسارات التحول الرقمي والاستثمار التقني في المنطقة.

وبحسب بيانات شركة متخصصة في تتبع الاستثمار الجريء، جمعت الشركات الناشئة العاملة في الأمن السيبراني في المنطقة 120.4 مليون دولار عبر 31 صفقة منذ عام 2021. واستحوذت السعودية وحدها على 87.6 مليون دولار من هذا الإجمالي، أي ما يعادل نحو 72.8% من التمويل الموجّه للقطاع.

هذا التركّز في التمويل لا يعكس فقط حجم السوق السعودية، بل يشير أيضاً إلى تصاعد الثقة في البيئة التنظيمية والاستثمارية التي تدعم حلول الحماية الرقمية، خصوصاً مع توسع اعتماد المؤسسات على الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي والبنى الرقمية الحساسة.

الأمن السيبراني يتحول إلى أولوية استثمارية

خلال السنوات الأخيرة، خرج الأمن السيبراني من كونه تخصصاً تقنياً محدوداً إلى كونه جزءاً أساسياً من البنية التحتية الاقتصادية. فكل توسع في الخدمات الرقمية يرافقه ارتفاع في الحاجة إلى حماية البيانات والأنظمة والشبكات، ما يجعل هذا القطاع أكثر التصاقاً بمفاهيم السيادة الرقمية والاستقرار التشغيلي.

هذا التحول ساعد على جذب اهتمام المستثمرين وصناديق رأس المال الجريء، خاصة مع ازدياد الطلب على حلول متقدمة لإدارة المخاطر السيبرانية، واكتشاف الاختراقات، وحماية المؤسسات من الهجمات المعقدة التي تستهدف البنوك والجهات الحكومية والشركات الكبرى.

كما أن السياسات الحكومية والمبادرات التنظيمية في عدد من أسواق المنطقة لعبت دوراً في تقوية جاذبية هذا المجال، عبر تشجيع الابتكار المحلي وتوسيع مساحة التبني التجاري للحلول الأمنية المطورة محلياً.

عام 2025 سجّل ذروة التمويل

أظهرت البيانات أن عام 2025 كان الأكثر نشاطاً من حيث التمويل الموجّه لشركات الأمن السيبراني الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعدما وصلت الاستثمارات إلى نحو 68.4 مليون دولار.

وجاء هذا الأداء نتيجة ارتفاع أحجام بعض الجولات الاستثمارية، إلى جانب اهتمام متزايد من المستثمرين بالشركات التي تطور أدوات لحماية البيانات، وإدارة البنية الأمنية للمؤسسات، وتقديم حلول مرنة تتناسب مع تعقيد التهديدات الرقمية الحديثة.

كما ساهمت المخاوف المرتبطة بحماية البنية التحتية الحيوية والقطاعات الحساسة في تعزيز شهية الاستثمار، خصوصاً في الشركات القادرة على تقديم منتجات قابلة للتوسع داخل أسواق متعددة.

التركيز ما زال في المراحل المبكرة

ورغم ارتفاع التمويل الإجمالي، تكشف الأرقام عن تحدٍّ واضح في مسار نمو الشركات الناشئة المتخصصة في الأمن السيبراني. إذ إن 58% من الصفقات المسجلة تركزت في مرحلتي ما قبل التأسيس والتأسيس، ما يعني أن معظم رأس المال ذهب إلى الشركات في بداياتها الأولى.

هذا النمط يشير إلى وجود فجوة في تمويل المراحل المتقدمة، وهو ما قد يحد من قدرة عدد من الشركات على الانتقال من إثبات الفكرة إلى التوسع التجاري الواسع. وفي القطاعات التقنية المعقدة، عادة ما تحتاج الشركات إلى جولات أكبر لتطوير المنتج، وتوسيع فرق العمل، والدخول إلى أسواق جديدة.

وتُعد هذه الفجوة واحدة من أبرز التحديات أمام الشركات التي تسعى إلى بناء حضور إقليمي أو عالمي، إذ لا يكفي التمويل الأولي وحده لضمان الاستمرارية في سوق تتطلب فيه المنافسة مستوى عالياً من التطوير والامتثال والثقة.

السعودية تواصل الهيمنة على رأس المال الجريء

لا تقتصر أفضلية السعودية على قطاع الأمن السيبراني فقط، بل تمتد إلى المشهد الأوسع للاستثمار الجريء في المنطقة. فقد استحوذت المملكة على 41% من إجمالي الصفقات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربع الأول من عام 2026، ما يعزز موقعها كأكبر سوق للصفقات الناشئة في المنطقة.

لكن هذا الزخم في الحضور لا يلغي حقيقة أن السوق الإقليمية شهدت خلال الربع نفسه أضعف نشاط فصلي من حيث عدد الصفقات خلال خمس سنوات، رغم وصول إجمالي التمويل إلى نحو 799 مليون دولار. ويأتي ذلك بعد أن بلغت استثمارات عام 2025 بأكمله نحو 3.82 مليار دولار.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السوق تمر بمرحلة إعادة توازن، حيث تميل رؤوس الأموال إلى التركّز في الشركات الأكثر جاهزية والأوضح من حيث نموذج العمل، بدلاً من الانتشار الواسع على عدد كبير من الصفقات الصغيرة.

مرحلة انتقائية في سوق الشركات الناشئة

تعكس الأرقام الأخيرة اتجاهاً جديداً في تمويل الشركات الناشئة بالمنطقة، يقوم على الانتقائية العالية، والتركيز على القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، وفي مقدمتها الأمن السيبراني.

وفي ظل استمرار التحول الرقمي وارتفاع حجم التهديدات الإلكترونية، يبدو أن الشركات التي تقدم حلولاً أمنية متخصصة ستبقى من بين أبرز المستفيدين من هذا الاتجاه. فالمستثمرون باتوا يفضلون القطاعات التي ترتبط مباشرة بحماية الأنظمة والبيانات وتخدم احتياجات مؤسسات كبيرة وأسواق سريعة النمو.

ومع احتفاظ السعودية بموقعها القيادي داخل منظومة التمويل الإقليمي، فإن مستقبل الاستثمار في الأمن السيبراني يبدو مرشحاً لمزيد من التركز داخل المملكة، مع بقاء التحدي الأكبر في سد فجوة تمويل النمو وتمكين الشركات الواعدة من التوسع خارج المرحلة المبكرة.