تتجه شريحة من الشركات الناشئة في الكويت إلى مسار مختلف عن نموذج التطبيقات الاستهلاكية سريعة النمو، عبر التركيز على قطاعات أكثر ارتباطاً بالبنية الأساسية للاقتصاد. هذا التحول يظهر بوضوح في مجالات مثل كفاءة الطاقة، والزراعة التقنية، وتحسين عمليات التوصيل، حيث لا يكون الهدف مجرد تقديم خدمة رقمية جديدة، بل معالجة مشكلات تشغيلية تؤثر مباشرة في الموارد والتكاليف والانبعاثات.
هذا النوع من الشركات لا يعمل عادة في مساحات تحظى بضجة كبيرة، لكنه يستهدف قطاعات تمس النشاط الاقتصادي اليومي. ومع تزايد الاهتمام الإقليمي بخفض الانبعاثات وتحسين استخدام الموارد، تبدو الكويت أمام مرحلة تتبلور فيها شركات ناشئة تركز على التطبيق العملي أكثر من التركيز على الخطاب التسويقي أو النمو السريع غير المرتبط باحتياجات السوق الفعلية.
منصات الطاقة تتجه إلى تحسين الموجود لا استبداله
ضمن هذا الاتجاه، برزت شركة Hub2Energy التي تتخذ من الكويت مقراً لها. الشركة تعمل على رقمنة الأنظمة المرتبطة بالطاقة والانبعاثات، مع هدف أساسي يتمثل في جعل البنية الحالية أكثر كفاءة بدلاً من الاكتفاء بإضافة طبقات تقنية جديدة فوقها. هذا النهج يعكس فهماً لواقع الأسواق التي تعتمد على بنى تشغيلية قائمة، حيث يكون تحديث الأداء وتحسين المتابعة أكثر قابلية للتنفيذ من بناء أنظمة جديدة بالكامل.
تأسست الشركة على يد أنطونيو أزيفيدو كامبوس وعبدالله الرقوبة، وجاءت فكرتها بعد ملاحظة فجوة بين الابتكارات المتاحة عالمياً وبين قدرتها على الوصول بصيغة مناسبة إلى أسواق الخليج. وبدلاً من طرح حلول نظرية، ركزت الشركة على بناء منصة تساعد الكويت في الانتقال من اقتصاد يعتمد بشدة على الهيدروكربونات إلى نموذج أكثر وعياً بالكربون.
وبحسب ما تعلنه الشركة، فإن تطبيق تقنيات إدارة الطاقة والانبعاثات يمكن أن يرفع أداء الأنظمة القائمة بنسبة تتراوح بين 10% و30%، كما قد يقلل فترات التوقف غير المخطط لها بنسبة بين 20% و30%. هذه الأرقام، إن تحققت على نطاق واسع، تعني أن القيمة الاقتصادية لمثل هذه الحلول لا ترتبط فقط بالاستدامة، بل أيضاً بخفض الهدر وتحسين الاعتمادية التشغيلية.
كما تضع الشركة أدوات مثل احتجاز الكربون والتقاطه المباشر من الهواء ضمن المسارات الممكنة لخفض الانبعاثات. وفي حالة الكويت، تكتسب هذه الحلول أهمية إضافية بعد إعادة تأكيد الدولة في مؤتمر المناخ COP27 عام 2022 هدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050. هذا الالتزام لا يغيّر السوق وحده، لكنه يخلق إطاراً يدفع الشركات إلى تطوير أدوات قابلة للاستخدام داخل القطاعات الفعلية.
الخدمات اليومية تتحول إلى ساحة لتحسين الكفاءة
الابتكار المرتبط بالمناخ لا يظهر دائماً في صورة تقنية معقدة أو مشروع صناعي ضخم. أحياناً يكون تأثيره موجوداً في تفاصيل الحياة اليومية، مثل طريقة انتقال الطلبات داخل المدينة. في هذا السياق، تمثل منصة COFE نموذجاً لشركة ناشئة بدأت من عادة استهلاكية شديدة الانتشار في المنطقة، وهي طلب القهوة، ثم بنت حولها نظاماً تشغيلياً يهدف إلى تحسين التوصيل وتقليل عدد الرحلات.
أسس علي الإبراهيم الشركة في عام 2017، وتوسعت لاحقاً في عدة أسواق تشمل الكويت والسعودية والإمارات ومصر وقطر وتركيا. وبحلول 2023، كانت المنصة تضم أكثر من 1300 علامة قهوة عبر 4000 فرع. كما سبق للشركة أن ذكرت أنها خدمت أكثر من مليوني كوب عبر أسواقها الخليجية الأساسية بحلول منتصف 2022.
أهمية هذا النموذج لا تكمن فقط في حجم الانتشار، بل في البنية التشغيلية التي تقف خلفه. إذ تعتمد الشركة على تجميع الطلبات وتحسين مسارات التوصيل، وهي أدوات يمكن أن تقلل عدد الرحلات المطلوبة لخدمة المناطق نفسها. ووفقاً لما تعلنه الشركة، ساعدت أنظمة التنسيق لديها على خفض رحلات التوصيل بنسبة 30%، وهو ما ينعكس على استهلاك الوقود والانبعاثات المرتبطة بكل طلب.
هذا المثال يوضح أن الشركات الناشئة في الاقتصاد الحقيقي لا تحتاج دائماً إلى اختراع سوق جديدة بالكامل. أحياناً يكون التأثير الأكبر ناتجاً عن إعادة تنظيم سوق موجودة بالفعل، باستخدام البيانات والخوارزميات وتحسين العمليات الميدانية. في بيئات حضرية تعتمد كثيراً على التوصيل، يمكن لهذا النوع من الكفاءة أن يتحول إلى ميزة اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه.
الزراعة التقنية في بيئة صحراوية
يبرز قطاع آخر له علاقة مباشرة بالأمن الغذائي وكفاءة الموارد، وهو الزراعة داخل البيئات المغلقة. في بلد مثل الكويت، حيث المناخ الجاف يجعل الزراعة التقليدية مكلفة ومستهلكة للمياه، تبدو الحلول الزراعية الجديدة أكثر من مجرد تجربة تقنية. فهي تتصل مباشرة بتقليل الاعتماد على الواردات وتحسين القدرة على إنتاج محاصيل طازجة محلياً على مدار العام.
ضمن هذا المسار، تأسست Green Life Company في عام 2021 على يد عادل الشمالي وطارق المزيدي. وتعتمد الشركة على الزراعة الهوائية، وهي تقنية تقوم على تعليق الجذور في الهواء ورشها برذاذ مغذيات بدلاً من غمرها في تربة أو كميات كبيرة من المياه. الفكرة الأساسية هي إنتاج المحاصيل بكفاءة أعلى في استهلاك المياه مقارنة بالزراعة التقليدية.
طورت الشركة، بالشراكة مع المؤسسة السويسرية CleanGreens Solutions، بيتاً زجاجياً آلياً بمساحة 24 ألف متر مربع مخصصاً للأعشاب والخضروات الورقية مثل الخس والكرنب. وتقول الشركة إنها تنتج في الكويت أكثر من 280 طناً من الخضروات الورقية سنوياً، مع خفض استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بالزراعة التقليدية.
هذه الأرقام تضع الشركة ضمن نماذج الأعمال التي تجمع بين التقنية والحاجة المحلية المباشرة. فالحديث هنا لا يقتصر على الاستدامة كمفهوم عام، بل يمتد إلى مورد حيوي وحساس هو المياه، إضافة إلى قضية الاعتماد على سلاسل توريد خارجية في الغذاء. لذلك، فإن الزراعة التقنية في الكويت يمكن أن تُقرأ باعتبارها مشروعاً اقتصادياً وأمنياً إلى جانب كونها مشروعاً بيئياً.
ملامح جديدة لمنظومة الشركات الناشئة في الكويت
ما يجمع بين هذه النماذج الثلاثة هو أنها تنتمي إلى قطاعات مختلفة، لكنها تتشابه في نقطة أساسية: التركيز على تحسين أنظمة قائمة بالفعل. فبدلاً من محاولة جذب المستخدمين فقط عبر تجربة رقمية أكثر سلاسة، تتعامل هذه الشركات مع أسئلة عملية مثل استهلاك الطاقة، وعدد رحلات التوصيل، وكفاءة استخدام المياه، والإنتاج المحلي للغذاء.
هذا التوجه يشير إلى نضج تدريجي في فهم دور الشركات الناشئة داخل السوق الكويتية. فالابتكار هنا لا يُقاس فقط بسرعة النمو أو عدد التنزيلات، بل بقدرته على حل مشكلة تشغيلية حقيقية يمكن قياس أثرها بالأرقام. وفي أسواق الخليج، حيث البنية الأساسية كبيرة والقطاعات الحيوية مرتبطة بالدولة والشركات الكبرى، يصبح هذا النوع من الحلول أكثر ملاءمة من نماذج تعتمد حصراً على التوسع الاستهلاكي السريع.
كما أن ارتباط هذه الشركات بقطاعات مثل الطاقة والغذاء والخدمات اللوجستية يجعلها أقرب إلى ما يمكن وصفه بالاقتصاد الحقيقي. هذا يعني أنها تعمل في مجالات تتأثر مباشرة بعوامل مثل أسعار الموارد، وكفاءة التشغيل، والقدرة على التنفيذ الميداني، وليس فقط بتقلبات اهتمام المستخدمين أو تغيرات سلوك الاستهلاك الرقمي.
التحدي الحقيقي هو التوسع بعد المرحلة التجريبية
رغم الإشارات الإيجابية، لا تزال منظومة الشركات الناشئة في الكويت صغيرة نسبياً. وهذا يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة هذه النماذج على تجاوز مرحلة التجربة أو المشروع المحدود. فالعمل في القطاعات الأساسية يتطلب عادة وقتاً أطول، وشراكات أعقد، وقدرة على التعامل مع بنى تنظيمية وتشغيلية لا تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها تطبيقات المستهلكين.
النجاح في هذه المساحات يعتمد على أكثر من جودة الفكرة. فهو يحتاج إلى تمويل صبور، وإمكانية إثبات العائد الاقتصادي بوضوح، وإقناع جهات تشغيلية كبيرة بتبنّي الحلول الجديدة. كما أن الشركات العاملة في الطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في أن نتائجها يجب أن تكون قابلة للقياس ومستمرة، لا مجرد تحسن مؤقت أو محدود النطاق.
لكن في المقابل، إذا نجحت هذه الشركات في التوسع، فإن أثرها قد يكون أعمق من أثر كثير من المنصات الرقمية التقليدية. فالشركة التي تحسن أداء البنية التحتية للطاقة، أو تخفض استهلاك المياه بشكل كبير، أو تقلل رحلات التوصيل على مستوى مدينة كاملة، تخلق قيمة تتجاوز الإيرادات المباشرة إلى تحسين إنتاجية الاقتصاد نفسه.
في المحصلة، تكشف التجارب الكويتية في الطاقة والزراعة والخدمات اليومية عن تحول مهم في فكرة الشركة الناشئة: من السعي إلى التعطيل السريع إلى بناء أدوات تجعل الأنظمة الأساسية تعمل بشكل أفضل. وهذا التحول قد لا يبدو لافتاً بالقدر نفسه الذي تصنعه تطبيقات المستهلكين، لكنه أقرب إلى الاحتياجات الفعلية للاقتصاد، وربما أكثر قدرة على الصمود على المدى الطويل.