أعلنت Coram AI، وهي شركة أمريكية ناشئة تعمل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي للأمن، عن جمع 35 مليون دولار في جولة تمويل جديدة، لترتفع القيمة الإجمالية لما حصلت عليه الشركة إلى 66 مليون دولار منذ تأسيسها في عام 2022. وقادت الجولة جهتا الاستثمار Ansa Capital وBattery Ventures، في إشارة إلى استمرار شهية المستثمرين تجاه الشركات التي تربط الذكاء الاصطناعي بالبنية التحتية الميدانية والعمليات الأمنية.
وتأتي الصفقة في وقت يتوسع فيه الاهتمام بما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المادي، وهو اتجاه ينقل أدوات الذكاء الاصطناعي من البرمجيات البحتة إلى البيئات الواقعية، مثل المصانع والمخازن والمدارس والمرافق العامة. وفي هذا السياق، تراهن Coram AI على أن أنظمة المراقبة لم تعد مجرد وسيلة للتسجيل، بل يمكن أن تصبح طبقة تحليل واستجابة تساعد المؤسسات على اتخاذ القرار بسرعة أكبر.
من التسجيل إلى التحليل الفوري
اعتمدت أنظمة المراقبة التقليدية لسنوات طويلة على فكرة بسيطة: تسجيل ما يحدث والعودة إليه لاحقاً عند الحاجة. لكن Coram AI تحاول إعادة تعريف هذا النموذج عبر دمج الكاميرات الحالية مع أنظمة الدخول وسجلات الزوار وأنظمة الطوارئ داخل منصة موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
الفكرة الأساسية هنا ليست فقط عرض ما تلتقطه الكاميرات، بل قراءة السياق المحيط بالأحداث وتحويل البيانات إلى إشارات قابلة للاستخدام. وبهذا الشكل يمكن للنظام أن يساعد فرق الأمن والإدارة على رصد الأنماط، وتحديد الحوادث، وإصدار التنبيهات في اللحظة المناسبة بدل الاكتفاء بالمراجعة اللاحقة.
هذا التحول يجعل دور الكاميرا أقرب إلى نقطة إدخال لبيانات أوسع، لا إلى أداة تصوير منفصلة. ومع ربط المصادر الأمنية المختلفة معاً، تصبح القدرة على فهم الحادثة أسرع وأكثر شمولاً، خصوصاً في البيئات التي تتطلب استجابة سريعة أو مراجعة تشغيلية دقيقة.
أداة بحث بلغة طبيعية داخل غرفة المراقبة
ضمن هذا التوجه، أطلقت الشركة أداة باسم Deep Investigation، وهي مصممة لتتيح للمستخدمين طرح أسئلة معقدة بلغة طبيعية حول ما تم تسجيله عبر الكاميرات أو الأنظمة الأمنية الأخرى. وبدلاً من مراجعة ساعات طويلة من الفيديو، يمكن للمستخدم أن يسأل النظام عن حادثة محددة أو سلوك متكرر أو نمط تشغيلي معين.
وتوضح Coram AI أن هذه الأداة قد تكون مفيدة في قطاعات متعددة. ففي المدارس، يمكن البحث عن المشاجرات أو الحوادث المتكررة خلال فترة زمنية محددة. وفي المؤسسات اللوجستية، يمكن تحليل حركة الشاحنات، وأوقات الذروة، وفترات الانتظار، واكتشاف الاختناقات التشغيلية دون الحاجة إلى عمل يدوي طويل ومكلف.
هذا النوع من الاستخدامات يعكس تحولاً مهماً في علاقة المؤسسات مع بيانات المراقبة. فبدلاً من أن تكون اللقطات مادة أرشيفية صامتة، يمكن أن تصبح مصدراً للتحليل السريع وإعداد التقارير ودعم التحقيق الداخلي، وهو ما يختصر وقتاً وجهداً كانا يذهبان سابقاً في البحث والمراجعة.
انتشار في أكثر من 1500 موقع بأمريكا الشمالية
تشير بيانات الشركة إلى أن منصتها مستخدمة حالياً في أكثر من 1500 موقع داخل الولايات المتحدة وكندا، تشمل مدارس ومستودعات ومنشآت تجارية وخدمية متنوعة. ويعكس هذا الانتشار أن السوق بدأ يتقبل فكرة المراقبة الذكية كجزء من البنية التشغيلية اليومية، وليس فقط كحل أمني تقليدي.
كما قالت الشركة إن أداءها التجاري شهد نمواً لافتاً خلال العام الماضي، إذ ارتفعت الإيرادات أربع مرات مقارنة بالفترة السابقة، وتوسعت قاعدة العملاء بمعدل ثلاثة أضعاف منذ جولة التمويل الماضية. ويشير هذا النمو إلى أن الطلب لم يعد محصوراً في قطاع واحد، بل يتسع كلما زادت الحاجة إلى ربط الأمن بالتحليل والإدارة.
ومن منظور الشركات الناشئة، تُظهر هذه المؤشرات أن السوق يتجه نحو أدوات تجمع بين المراقبة والبيانات والذكاء الاصطناعي في منصة واحدة. وفي مثل هذه الأسواق، لا يكفي تقديم كاميرات أفضل، بل يصبح المطلوب بناء طبقة برمجية تفسر ما تراه الكاميرات وتحوّل ذلك إلى قرارات أسرع وأكثر دقة.
الأمن يتجه نحو الوكلاء الأذكياء
ترى Coram AI أن مستقبل الأمن لن يعتمد على الأجهزة وحدها، بل على وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على الفهم والتحليل والتصرف بسرعة. هذا التصور يضع الشركة ضمن موجة أوسع تسعى إلى جعل الأنظمة الأمنية أكثر استقلالية، بحيث لا تكتفي بإرسال التنبيهات، بل تساعد أيضاً في اقتراح الخطوات التالية.
وتتحدث الشركة كذلك عن إمكانية تكامل هذه القدرات مستقبلاً مع الروبوتات الأمنية والأجهزة الذاتية الحركة. وإذا تحقق ذلك، فإن دور الذكاء الاصطناعي في الأمن قد ينتقل من مراقبة المشهد إلى التفاعل معه بشكل مباشر، بما يفتح الباب أمام فئة جديدة من الحلول التي تجمع بين الرؤية الحاسوبية واتخاذ القرار والتنفيذ.
هذا التطور لا يقتصر على الأمن وحده، بل يعكس اتجاهاً أوسع في الشركات الناشئة العاملة على البنية التحتية الذكية. فالمستثمرون يبدون اهتماماً متزايداً بالمشاريع القادرة على تحويل البيانات الخام إلى عمل تشغيلي واضح، خاصة في القطاعات التي تتعامل مع أصول مادية أو حركة بشرية كثيفة أو مخاطر زمنية حساسة.
سباق استثماري أوسع في الذكاء الاصطناعي المادي
تأتي جولة Coram AI ضمن مشهد استثماري أكبر يشهد تدفقاً لافتاً نحو شركات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالعالم الحقيقي، مثل الروبوتات وأنظمة المراقبة الذكية وأدوات التشغيل المؤتمتة. ويبدو أن المستثمرين يبحثون عن التطبيقات التي تتجاوز الاستخدامات العامة للذكاء الاصطناعي إلى حلول قادرة على تحقيق أثر مباشر في المؤسسات.
وفي هذا الإطار، تمثل Coram AI مثالاً على شركة ناشئة تحاول إعادة بناء وظيفة مألوفة، هي المراقبة الأمنية، لكنها تفعل ذلك عبر إدخال طبقة فهم وتحليل واستجابة. وإذا استمر هذا المسار، فقد تتحول الكاميرات من أدوات توثيق إلى مكونات داخل منظومات ذكية تعمل على مدار الساعة لمراقبة ما يحدث وفهمه والتفاعل معه.
وبالنسبة لقطاع الشركات الناشئة، فإن الرسالة الأوسع من هذه الجولة التمويلية واضحة: الأسواق ما زالت تمنح الأفضلية للمنتجات التي تحل مشكلة تشغيلية حقيقية، وتستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية، وتملك قدرة على التوسع في بيئات متعددة. وهذا ما تسعى Coram AI إلى ترجمته من خلال تحويل أنظمة المراقبة إلى بنية تحليلية أكثر ذكاءً واستجابة.