الشركات الناشئة 08-Jan-2026 7 دقائق قراءة

شركات ناشئة أردنية تطور تقنيات لمواجهة أزمة المياه عبر الاستشعار والري الذكي واستخلاص الرطوبة

تتجه شركات ناشئة في الأردن إلى بناء حلول عملية لأزمة المياه، من تتبع التسربات داخل المباني إلى أنظمة ري تعتمد على بيانات التربة، وصولاً إلى تقنيات لاستخلاص الماء من الهواء.

تدفع أزمة المياه في الأردن جيلاً من الشركات الناشئة إلى العمل في واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المنطقة. فبدلاً من انتظار مشاريع بنية تحتية كبرى تحتاج إلى سنوات، تتجه هذه الشركات إلى حلول أصغر حجماً وأسرع تطبيقاً، تعتمد على البيانات والأجهزة الذكية والبرمجيات والمواد الهندسية. والهدف المشترك بينها هو تقليل الهدر، وتحسين استخدام الموارد المتاحة، وإعطاء المؤسسات والمزارعين صورة أوضح عن حركة المياه واستهلاكها.

تأتي هذه الجهود في سياق صعب. فالأردن من بين الدول الأكثر تعرضاً لضغط مائي شديد، إذ تشير البيانات الواردة في المصدر إلى أن حصة الفرد السنوية من المياه المتجددة تبلغ نحو 90 متراً مكعباً فقط، بينما يبدأ مستوى الإجهاد المائي الحاد عند 500 متر مكعب. كما أن الطلب يتجاوز المستويات المستدامة بأكثر من 80%، في وقت تضيف فيه درجات الحرارة المرتفعة، وفترات الجفاف الأطول، وتقادم الشبكات مزيداً من الضغط على النظام المائي.

شركات ناشئة تنقل إدارة المياه إلى نموذج استباقي

أحد أبرز الاتجاهات التي تظهر في السوق الأردنية هو الانتقال من التعامل مع الأعطال بعد وقوعها إلى رصد المؤشرات قبل تحولها إلى أزمة. هذا ما تعمل عليه شركة SmartWTI، وهي شركة تقنية تقودها هبة أسعد وتركز على مراقبة حركة المياه والطاقة داخل المباني والمزارع والمساحات العامة.

تعتمد الشركة على حساسات تجمع بيانات من الأنابيب والعدادات والبنية التشغيلية، ثم تُرسل هذه المعلومات إلى برمجيات ترصد التغيرات والأنماط غير المعتادة. وعند ظهور انخفاض في الضغط أو تغير مفاجئ في التدفق، يتلقى المسؤولون تنبيهات على هواتفهم، ما يسمح بالتدخل المبكر قبل أن تتطور المشكلة إلى انقطاع فعلي أو خسائر أكبر.

هذا النوع من الحلول يكتسب أهمية خاصة في بيئة تتعرض فيها كميات كبيرة من المياه للفقد قبل وصولها إلى المستخدمين. فالمصدر يشير إلى أن بعض التقديرات تضع فاقد المياه البلدية عند مستوى يقترب من نصف الكمية المنتجة، بسبب التسربات، وتعطل العدادات، واستخدامات لا يتم تتبعها بدقة.

تطبيقات مباشرة داخل المدارس والمؤسسات العامة

تظهر فائدة أنظمة المراقبة بوضوح في المدارس، حيث يمكن لاختلال بسيط في الضغط أن يكشف تسرباً مبكراً، أو أن يشير تغير التدفق إلى استهلاك غير طبيعي كان سيمر من دون ملاحظة. في هذه الحالات، لا يضطر العاملون إلى التخمين، بل يتخذون قرارات مبنية على معلومات لحظية.

وبحسب المعلومات الواردة، تعمل SmartWTI على تركيب أنظمتها في مؤسسات عامة داخل مجتمعات تستضيف لاجئين، مع دعم من منظمة تقنية دولية للمساعدة في نشر أدوات المراقبة في ما يصل إلى 40 مدرسة. الفكرة هنا لا تقتصر على حماية البنية التحتية، بل تمتد إلى تقليل الاضطراب في الحياة اليومية. فعندما تتجنب المدرسة انقطاعاً مفاجئاً للمياه، يستمر اليوم الدراسي بشكل طبيعي، وتقل الأعباء على الأسر.

هذا النموذج يوضح جانباً مهماً من دور الشركات الناشئة: ليس فقط تطوير تقنية جديدة، بل تحويل البيانات إلى أثر تشغيلي مباشر في مرافق حيوية.

الزراعة التقنية تدخل ملف المياه من بوابة التربة

خارج المدن، تنتقل المشكلة من الأنابيب إلى الحقول. فالزراعة تستهلك أكثر من نصف المياه العذبة في الأردن، رغم أن مساهمتها الاقتصادية تبقى محدودة نسبياً. هذا الخلل يفتح المجال أمام شركات ناشئة تحاول رفع كفاءة الري بدلاً من زيادة السحب من الموارد المحدودة.

في هذا السياق، تعمل شركة Smart Green على تطوير أنظمة ري ذكية تستند إلى قراءات مباشرة من التربة والمحاصيل والطقس. تجمع الحساسات البيانات من الحقل، ثم ترسلها إلى وحدات تحكم تعدل جداول الري تلقائياً. بذلك، لا يعود القرار قائماً على الملاحظة البصرية أو الخبرة التقليدية وحدها، بل على معلومات قابلة للقياس.

النتائج التي وردت في المصدر تشير إلى أن هذه الأنظمة خفضت استهلاك المياه بما يصل إلى 70% في بيئات زراعية مضبوطة، فيما وصلت الوفورات في الحقول المفتوحة إلى نحو 30%. وفي الوقت نفسه، بقيت الغلال مستقرة في العادة، وأحياناً تحسنت، مع دقة أعلى في استخدام الأسمدة وقدرة أفضل على التخطيط.

لوحات تحكم على الهاتف بدل القرارات الحدسية

من التحولات اللافتة التي تصنعها شركات الزراعة التقنية أن المزارع لم يعد مضطراً إلى البقاء في أرضه طوال الوقت لمتابعة دورة الري. فمن خلال لوحات تحكم على الهاتف، يمكنه تعديل الجداول عن بُعد ومتابعة ما يجري تحت سطح التربة، لا فوقه فقط.

هذا التغيير مهم في سوق تعاني فيه القرارات الزراعية من محدودية البيانات. فعندما يعرف المزارع مستوى الرطوبة الفعلي، وحاجة النبات، وتغيرات الطقس، يصبح الري أكثر دقة، وتقل كمية المياه المهدرة بسبب الإفراط أو التوقيت غير المناسب. ومن منظور الشركات الناشئة، فإن القيمة هنا لا تتعلق بالأجهزة وحدها، بل ببناء خدمة قابلة للتوسع، تعتمد على البرمجيات والتحليلات والمتابعة المستمرة.

كما أن هذا النوع من الحلول يعكس اتجاهاً أوسع في بيئة الأعمال الناشئة بالمنطقة، حيث تتحول شركات الأجهزة التقليدية إلى نماذج تجمع بين العتاد والبرمجيات والاشتراكات التشغيلية.

شركة ناشئة تحاول إضافة مصدر جديد من الهواء

إلى جانب تقليل الفاقد وتحسين الاستهلاك، تظهر محاولة ثالثة مختلفة في السوق الأردنية، تقودها شركة AquaPoro. فبدلاً من التركيز على الشبكات أو الحقول، تعمل الشركة على تطوير مواد مسامية قادرة على جمع الرطوبة من الهواء، ثم تمرير المياه الملتقطة عبر مراحل تنقية لتصبح قابلة للاستخدام.

هذا المسار يواجه تحديات تقنية واضحة، خصوصاً في ظروف الهواء الجاف. لكن الاختبارات الأولية، وفقاً للمصدر، أظهرت تقدماً، مع قدرة بعض النماذج الأولية على إنتاج عشرات اللترات يومياً حتى في ظروف قاسية. ولا تقدم الشركة هذه التقنية باعتبارها بديلاً عن الآبار أو الخزانات أو مشروعات التحلية، بل كوسيلة داعمة تضيف كميات محدودة لكنها مفيدة في المواقع التي تحتاج إلى مرونة إضافية خلال فترات الجفاف.

بالنسبة إلى عالم الشركات الناشئة، يمثل هذا النوع من الابتكار مثالاً على العمل في فئة تعرف باسم deep tech، حيث يجتمع البحث العلمي مع التطبيق التجاري في منتج يحتاج إلى وقت أطول للتطوير، لكنه قد يفتح سوقاً جديدة إذا نجح في تجاوز القيود التقنية والتكلفة.

ما الذي يميز المقاربة الأردنية في هذا القطاع

الجامع بين هذه الشركات الثلاث ليس فقط عملها في مجال المياه، بل طبيعة المقاربة التي تتبناها. فهي لا تنتظر حلاً مركزياً واحداً، بل تتعامل مع الأزمة على شكل نقاط ضعف محددة داخل النظام القائم: تسربات غير مرئية، ري غير دقيق، أو حاجة إلى إمدادات إضافية صغيرة لكنها عملية.

هذا النهج مهم في البيئات التي تعاني ضغوطاً مزمنة، لأنه يربط الابتكار باحتياجات يومية قابلة للقياس. مديرو المدارس يحصلون على تنبيهات أسرع. العاملون في الصيانة يصلحون الأعطال قبل تفاقمها. المزارعون يروون محاصيلهم بناء على قراءة أدق. وحتى الكميات المحدودة المضافة من مصدر جديد قد تساعد منشآت معينة على إدارة الفترات الصعبة بصورة أفضل.

كما تكشف هذه التجارب أن الشركات الناشئة في القطاعات الحيوية لا تحتاج دائماً إلى منتجات استهلاكية واسعة الانتشار كي تحقق أثراً واضحاً. ففي بعض الحالات، يكون النجاح مرتبطاً بالتعامل مع عميل مؤسسي، أو قطاع عام، أو مزارع يحتاج حلاً يوفر عليه تكلفة مباشرة ويقلل المخاطر التشغيلية.

فرص النمو والتحديات أمام شركات المياه الناشئة

رغم وضوح الحاجة إلى هذه الحلول، فإن الطريق أمام الشركات الناشئة في قطاع المياه ليس سهلاً. فبيع التقنيات للمؤسسات العامة أو المدارس أو المزارع يتطلب دورات قرار أطول، وتجارب ميدانية، وثقة في أن النظام سيعمل في ظروف تشغيلية صعبة. كما أن منتجات هذا القطاع تحتاج غالباً إلى إثبات عائد اقتصادي واضح، لأن العملاء لا يشترون التقنية لذاتها، بل لخفض الهدر أو تقليل الانقطاعات أو تحسين الإنتاجية.

في المقابل، توفر السوق الأردنية ميزة مهمة لهذه الشركات، وهي أن المشكلة حقيقية وملحة ومستمرة. وعندما تكون الحاجة واضحة بهذا الشكل، يصبح من الأسهل اختبار الحلول وتحسينها على أرض الواقع. وإذا نجحت النماذج المحلية، فقد تجد طريقها إلى أسواق أخرى في المنطقة تواجه تحديات مشابهة في المياه والزراعة والبنية التحتية.

بمعنى آخر، لا تبدو هذه الشركات مجرد استجابة ظرفية لأزمة محلية، بل جزءاً من مسار أوسع قد يضع الأردن كمختبر إقليمي لتقنيات إدارة المياه.

من إدارة الأزمة إلى بناء قطاع ناشئ قابل للتوسع

الرسالة الأوضح من هذه التجارب أن الابتكار في المياه لم يعد محصوراً في المشاريع الحكومية الكبرى، بل أصبح أيضاً مساحة عمل للشركات الناشئة التي توظف الاستشعار، وتحليل البيانات، والأتمتة، والمواد الجديدة. ومع أن كل شركة تتحرك في زاوية مختلفة، فإن الأثر النهائي يصب في هدف واحد: جعل القرارات اليومية أكثر دقة، وتقليل الهدر قبل أن يتحول إلى أزمة.

في بيئة تعاني أحد أشد أشكال الشح المائي في العالم، قد تكون قيمة هذه الشركات في أنها تقدم أدوات عملية قابلة للاستخدام الآن، وليس بعد سنوات. وهذا ما يمنح قطاع الشركات الناشئة في الأردن بعداً مختلفاً: فهو لا يكتفي ببناء منتجات رقمية، بل يدخل إلى ملفات البنية الأساسية والموارد الحيوية، حيث يمكن لتقنية جيدة التنفيذ أن تغيّر طريقة عمل مؤسسة أو مزرعة أو مجتمع كامل.