السعودية تواصل الصعود في مؤشرات التنافسية
سجلت المملكة العربية السعودية تقدماً جديداً في تقرير التنافسية العالمي لعام 2026 الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا، بعدما جاءت في المركز 13 من بين 70 اقتصاداً شملها التقييم. ويعني ذلك تحسناً بأربعة مراكز مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر يعكس استمرار تطور البيئة الاقتصادية والتنظيمية في المملكة.
وتأتي هذه النتيجة ضمن مسار أوسع من الإصلاحات الاقتصادية التي تستهدف رفع كفاءة السوق، وتوسيع جاذبية المملكة للاستثمار، ودعم نمو القطاعات الواعدة، بما في ذلك الشركات الناشئة التي تستفيد عادة من وضوح التشريعات وسهولة الوصول إلى التمويل وتطور البنية المؤسسية.
تحسن لافت في محاور التقييم الرئيسة
أظهر التقرير تقدماً في جميع المحاور الأربعة التي يعتمد عليها في قياس التنافسية: الأداء الاقتصادي، وكفاءة الحكومة، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية. واحتلت السعودية المركز 12 في الأداء الاقتصادي، والمركز 12 أيضاً في كفاءة الحكومة، وجاءت في المرتبة 9 في كفاءة الأعمال، بينما حلّت في المركز 28 في البنية التحتية.
ويعد أداء كفاءة الأعمال من أبرز نقاط القوة في هذا الإصدار، إذ يعكس بيئة أكثر ملاءمة لتأسيس الأنشطة التجارية وإدارتها وتوسيعها. وهذا النوع من التحسن يكتسب أهمية خاصة في الأسواق التي تسعى إلى جذب الشركات الناشئة المحلية والدولية، لأنه يرتبط بسرعة اتخاذ القرار، ومرونة الإجراءات، وانخفاض العوائق أمام النمو.
تقدم سعودي داخل مجموعة العشرين
على مستوى دول مجموعة العشرين، جاءت السعودية في المركز الثالث وفق نتائج التقرير، متقدمة على عدد كبير من الاقتصادات الكبرى، ولا سيما في محوري كفاءة الحكومة وكفاءة الأعمال. ويشير هذا الترتيب إلى أن المملكة أصبحت من بين الدول الأكثر قدرة على توفير بيئة تنظيمية وإدارية داعمة للنشاط الاقتصادي الحديث.
كما رصد التقرير تفوق المملكة في عدد من المؤشرات الفرعية المرتبطة بالنشاط التجاري والتقني، من بينها نمو صادرات الخدمات التجارية، ودعم الخدمات المالية للأنشطة التجارية، والأمن السيبراني. وبلغ عدد المؤشرات التي دخلت فيها السعودية ضمن أفضل عشرة مراكز عالمياً 74 مؤشراً من أصل 262، وهو ما يعكس اتساع نطاق التحسن وليس انحصاره في ملف واحد.
مؤشرات تدعم بيئة الاستثمار والشركات الناشئة
تكتسب نتائج هذا التقرير أهمية خاصة بالنسبة لقطاع الشركات الناشئة، لأن التنافسية الوطنية لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل أيضاً بقدرة الدولة على توفير منصة مناسبة لتأسيس الشركات وتمويلها وتوسيع أعمالها. وعندما تتحسن المؤشرات الخاصة بالتمويل، والتشريعات، والتقنية، والشفافية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على قرارات المستثمرين ورواد الأعمال.
وبحسب ما أورده التقرير، أظهر استطلاع آراء المديرين التنفيذيين مؤشرات إيجابية بشأن استقرار السياسات، وسهولة الوصول إلى التمويل، وتوافر بنية قانونية أكثر دعماً للأعمال. وهذه العناصر تمثل ركائز أساسية لأي منظومة ناشئة، لأنها تقلل المخاطر التشغيلية وتزيد قابلية التوسع وتدعم دخول استثمارات جديدة.
كما أشار التقرير إلى تقدم في مؤشرات مرتبطة بالتجارة الدولية والتوظيف والتشريعات والتقنية وشفافية السياسات، وهي مجالات ترتبط بشكل مباشر بجاذبية السوق المحلية للشركات سريعة النمو، خصوصاً في القطاعات الرقمية والخدمية التي تعتمد على بيئة تنظيمية مرنة ومؤسسات فعالة.
قراءة اقتصادية أوسع للنتائج
يرى مختصون أن استمرار تحسن ترتيب السعودية في مؤشرات التنافسية يعكس قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحولات العالمية، ويعزز الثقة في المسار الإصلاحي الذي تقوده المملكة ضمن رؤية 2030. فالتنافسية العالية لا تعني فقط تقدم الدولة في التصنيفات الدولية، بل تعني أيضاً بيئة أكثر استعداداً لخلق الوظائف، وتحفيز الابتكار، وتسهيل تأسيس الأعمال.
وفي سياق الشركات الناشئة، يترجم هذا النوع من التحسن إلى فرص أوسع أمام المشاريع الجديدة للوصول إلى شركاء، وممولين، وأسواق جديدة، مع استفادة أكبر من البنية الرقمية والأنظمة الداعمة للنشاط الاقتصادي. كما يسهم ذلك في تقوية منظومة ريادة الأعمال عبر تشجيع الاستثمار في الحلول التقنية والقطاعات عالية القيمة.
من جانبه، أكد وزير التجارة ورئيس مجلس إدارة المركز السعودي للتنافسية أن هذه النتائج هي ثمرة الإصلاحات التشريعية والاقتصادية المتواصلة، والتي ساهمت في تعزيز جاذبية بيئة الأعمال السعودية لدى المستثمرين ورواد الأعمال. ويعكس هذا التصريح اتجاهاً رسمياً نحو ربط تحسين التنافسية بزيادة قدرة القطاع الخاص على النمو والابتكار.
ما الذي يعنيه ذلك لمشهد الأعمال في المملكة؟
إذا استمرت هذه المؤشرات في التحسن خلال السنوات المقبلة، فقد ينعكس ذلك على زيادة تأسيس الشركات الجديدة، وتسريع توسع الشركات الناشئة القائمة، ورفع مستويات التمويل المتاح للمشاريع في مراحلها المبكرة. كما يمكن أن يساهم في جذب المزيد من الشركات الإقليمية والعالمية التي تبحث عن أسواق تتمتع بالاستقرار التشريعي والبنية المؤسسية الجيدة.
وتؤكد نتائج IMD أن التنافسية أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من أدوات جذب الاستثمار، وليست مجرد تصنيف سنوي. وفي حالة السعودية، تبدو هذه النتيجة متسقة مع مسار طويل من تطوير بيئة الأعمال، وتعزيز القدرات المؤسسية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستعداداً لمتطلبات النمو المستقبلي.
وبالنسبة لقطاع الشركات الناشئة، فإن الرسالة الأهم من التقرير هي أن بيئة العمل في المملكة تواصل التحسن من حيث الكفاءة والمرونة والدعم التنظيمي، وهي عناصر أساسية لأي سوق يسعى إلى إنتاج شركات قادرة على التوسع والمنافسة إقليمياً ودولياً.