تتحرك مايكروسوفت بخطوات واضحة لتقليل اعتمادها على نماذج Anthropic مرتفعة التكلفة، في وقت تتسارع فيه المنافسة داخل سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي وتزداد فيه حساسية الشركات الكبرى تجاه تكلفة التشغيل.
وكشف مصطفى سليمان، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، أن الشركة تعمل على مسار يهدف في النهاية إلى إنهاء المصروفات المرتبطة باستخدام نماذج Anthropic، عبر تطوير بدائل داخلية أكثر كفاءة من حيث التكلفة.
وجاءت تصريحاته في مقابلة إعلامية عقب إعلان الشركة عن إطلاق سبعة نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها خلال مؤتمر Build الأخير، وهو ما يعكس تسارعاً في بناء قدرات مستقلة داخل مايكروسوفت بدلاً من الاعتماد الكامل على مزودين خارجيين.
وقال سليمان إن الشركة تدفع مبالغ كبيرة مقابل Anthropic، ولذلك فإن الهدف الحالي يتمثل في خفض هذه الفاتورة تدريجياً حتى الوصول إلى الاستغناء الكامل عنها. ويبدو أن هذا التوجه لا يرتبط فقط بالاستفادة التقنية، بل بإعادة ضبط الهيكل المالي لاستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
تكلفة Anthropic تتحول إلى عبء تنافسي
بحسب سليمان، فإن Anthropic تمثل بالنسبة لمايكروسوفت المنافس الأكثر كلفة، مقارنة بـ OpenAI التي تجمعها بها اتفاقية تمنحها وصولاً ميسراً إلى نماذجها حتى عام 2032. هذا التفريق مهم، لأنه يوضح أن قرار مايكروسوفت لا يقوم على الأداء التقني فقط، بل على معادلة تجمع السعر والعائد والاستدامة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع تشهده الشركات الكبرى، حيث ارتفعت ميزانيات الذكاء الاصطناعي المؤسسي بسرعة ملحوظة. بعض الشركات بدأت تواجه صعوبة في السيطرة على الإنفاق بعد توسع استخدام الأدوات التوليدية في البرمجة والتحليل والإنتاجية الداخلية.
هذا الواقع يجعل تكلفة النموذج نفسه جزءاً أساسياً من المنافسة، وليس مجرد عامل ثانوي. فالشركات التي تستطيع تقديم أداء مشابه بسعر أقل تمتلك فرصة أكبر للانتشار داخل المؤسسات الكبيرة، خاصة حين تكون أحجام الاستخدام مرتفعة.
نماذج داخلية لمعادلة الأداء والسعر
أشارت مايكروسوفت إلى أن بعض نماذجها الجديدة، ومنها MAI-Thinking-1، حققت نتائج تضاهي أداء Claude Opus 4.6 من Anthropic في اختبارات مرتبطة بجودة البرمجة، ولكن بتكلفة أقل. وتعتبر هذه النقطة محورية، لأن البرمجة من أكثر الاستخدامات التي يُقاس فيها الذكاء الاصطناعي من خلال النتائج العملية لا الانطباعات العامة.
كما أوضح سليمان أن النماذج الداخلية حققت كفاءة تكلفة أفضل أيضاً من تلك التي كانت الشركة تحصل عليها عند استخدام حلول OpenAI، رغم العلاقات الاستراتيجية القائمة بين الطرفين. وهذا يشير إلى أن مايكروسوفت باتت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه سلسلة إمداد قابلة لإعادة التشكيل، وليس مجرد شراكة ثابتة.
وبحسب ما ورد، فإن مايكروسوفت لم تكن قادرة على تطوير نماذج متقدمة بشكل مستقل حتى نهاية 2025 بموجب شروط شراكتها السابقة مع OpenAI. لكن إعادة التفاوض على الاتفاقية منحتها مساحة أكبر للتحرك، مع احتفاظها بترخيص استخدام جميع إصدارات OpenAI حتى عام 2032.
سوق المؤسسات يضغط على مزودي الذكاء الاصطناعي
التحول الذي تقوم به مايكروسوفت لا يخص الشركة وحدها، بل يعكس اتجاهاً أوسع في سوق الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل كثيف. فكل زيادة في عدد المستخدمين أو في حجم المهام المؤتمتة تعني ارتفاعاً مباشراً في التكلفة، وهو ما يدفع بعض المؤسسات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها.
وتظهر مؤشرات هذا الضغط في شركات أخرى أيضاً، إذ أنفقت Uber ميزانيتها السنوية المخصصة للبرمجة التوليدية خلال أربعة أشهر فقط، بينما لجأت Walmart إلى فرض حدود على استخدام الموظفين للأدوات الداخلية. وهذه الأمثلة توضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تجريبية، بل بنداً مالياً يجب ضبطه بدقة.
في هذا السياق، تصبح النماذج الداخلية وسيلة لتقليل الاعتماد على الأسعار التي يحددها مزود خارجي، خاصة عندما تكون الشركة نفسها قادرة على بناء بدائل تنافسية. ومع ذلك، فإن هذا المسار يتطلب استثماراً مستمراً في البنية التحتية والبحث والتطوير والموارد الحاسوبية.
المنافسة ما زالت مفتوحة
رغم التفاؤل الواضح في تصريحات سليمان، فإنه أقر أيضاً بأن Anthropic أطلقت مؤخراً نماذج جديدة تتفوق على Opus 4.6، ما يعني أن السباق التكنولوجي ما زال قائماً وبقوة. فالتقدم في الذكاء الاصطناعي لم يعد ثابتاً، بل يتغير بسرعة تجعل أي ميزة قابلة للتراجع خلال فترة قصيرة.
لذلك، تبدو استراتيجية مايكروسوفت مزدوجة: خفض الاعتماد على الموردين الخارجيين من جهة، والاستمرار في رفع مستوى النماذج الداخلية من جهة أخرى. وفي سوق تتحرك فيه الأسعار والأداء والمزايا التعاقدية بسرعة، تصبح المرونة هي العامل الحاسم.
ويعكس هذا التوجه ملامح مرحلة جديدة في صناعة الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الشركات الكبرى تكتفي بالاستهلاك، بل تسعى إلى إنتاج النماذج بنفسها لتأمين الكلفة، والخصوصية، والتحكم طويل الأمد في المنصة التقنية.