الشركات الناشئة 10-Mar-2026 7 دقائق قراءة

الشركات الناشئة في الجزائر تبني حلولها وفق قيود السوق لا وفق موجات الحماس

تُظهر شركات ناشئة جزائرية في الزراعة والصحة أن ضعف الاتصال، وندرة التمويل، واتساع المسافات يمكن أن تتحول إلى أساس لتصميم المنتجات ونماذج الأعمال.

لا تنطلق كل الشركات الناشئة من البيئة نفسها. ففي أسواق تمتلك بنية تحتية مستقرة ورأسمالاً وفيراً، يمكن للمؤسسين التركيز على التوسع السريع وبناء منتجات تعتمد على الاتصال الدائم والخدمات السحابية المكلفة. لكن في الجزائر، تبدو المعادلة مختلفة. فضعف الاتصال في بعض المناطق، وتركز الخدمات المتخصصة في المدن الكبرى، ومحدودية التمويل المغامر، كلها عوامل تدفع رواد الأعمال إلى اتخاذ قرارات تقنية وتجارية مختلفة منذ اليوم الأول.

هذا الواقع لا يعني بالضرورة تباطؤ الابتكار، بل قد يدفعه إلى اتجاه أكثر ارتباطاً باحتياجات السوق الفعلية. وبينما تميل قصص الشركات الناشئة عالمياً إلى تمجيد النمو السريع والنسخ المتكرر للنماذج الناجحة، تظهر في الجزائر موجة من الشركات التي تبني منتجاتها انطلاقاً من القيود المحلية. الفكرة الأساسية هنا ليست تقليد ما نجح في أسواق أخرى، بل تطوير أدوات يمكنها العمل ضمن ظروف أقل مثالية.

وتشير البيانات الرسمية إلى وجود أكثر من ألف شركة ناشئة معتمدة في الجزائر، مع هدف معلن للوصول إلى 20 ألف شركة بحلول عام 2027. وبين هذا العدد المتزايد، تبرز شركات في الزراعة والصحة كنماذج على مسار مختلف في بناء الأعمال.

القيود تتحول إلى نقطة انطلاق

في كثير من بيئات الشركات الناشئة، تُعامل القيود باعتبارها عائقاً يجب تجاوزه في أقرب وقت. أما في الجزائر، فتبدو القيود نفسها جزءاً من مواصفات المنتج. فندرة المياه تدفع إلى البحث عن حلول زراعية أكثر كفاءة، وضعف الاتصال يجعل المعالجة المحلية للبيانات أكثر جدوى، وقلة التمويل تشجع على نماذج قائمة على الخدمة بدلاً من بيع أجهزة مكلفة.

هذا النوع من التفكير يغير طريقة بناء الشركة من الأساس. فبدلاً من افتراض توفر إنترنت دائم أو قدرة العملاء على شراء معدات مرتفعة الثمن، يُصمم المنتج ليتناسب مع الواقع الموجود. والنتيجة أن الابتكار لا يركز فقط على التقنية، بل على ملاءمة هذه التقنية للبيئة التشغيلية والاقتصادية.

Qareeb والزراعة الذكية في بيئة اتصال غير مستقرة

إحدى الأمثلة على هذا الاتجاه شركة Qareeb العاملة في التقنية الزراعية. انطلقت الشركة من مشكلة واضحة في الميدان الزراعي: الاتصال ليس مضموناً دائماً، خصوصاً في الحقول والمزارع البعيدة. لذلك اختارت الشركة بناء حل يعتمد على المعالجة المحلية للبيانات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الطرفية، بدلاً من الاعتماد الكامل على السحابة.

هذا النهج يتيح للأجهزة الموجودة في المزارع تحليل البيانات في الموقع نفسه، ما يسمح بمتابعة رطوبة التربة، ورصد المؤشرات المبكرة لأمراض المحاصيل، وتحسين قرارات الري حتى عند محدودية النطاق الترددي. وبدلاً من انتظار رفع البيانات إلى خوادم بعيدة ثم استلام النتائج لاحقاً، تنتقل قدرات التحليل إلى نقطة الاستخدام نفسها.

من الناحية العملية، يبدو هذا القرار التقني استجابة مباشرة لظروف السوق المحلية، وليس مجرد خيار هندسي. وتقول الشركة إن العملاء الذين يستخدمون منصتها سجلوا خفضاً في استهلاك المياه يصل إلى 35%، إلى جانب زيادة في الإنتاجية الزراعية تراوحت بين 20% و30%. وفي بلد يواجه ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالمياه، تصبح هذه الأرقام مرتبطة بقضية تشغيلية وبيئية في آن واحد.

أهمية هذا النموذج لا تكمن فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في طريقة توظيفه. فالتركيز هنا ليس على تقديم تقنية متقدمة بصيغتها النظرية، وإنما على نقل القدرة التحليلية إلى الحقل نفسه، حيث تكون الحاجة إليها أكبر من أي مكان آخر.

DZDoc وتقليل أثر المسافة في الرعاية الصحية

إذا كانت الزراعة في الجزائر تتأثر بندرة المياه وضعف الاتصال، فإن الرعاية الصحية تواجه نوعاً آخر من القيود، يتمثل في التوزيع غير المتوازن للأطباء المتخصصين. فغالباً ما تتركز الخدمات الطبية المتقدمة في المدن الكبرى، بينما يضطر سكان المناطق البعيدة إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى استشارة متخصصة.

في هذا السياق، طورت شركة DZDoc منصة تهدف إلى تسهيل العلاقة بين المريض والطبيب عبر الأدوات الرقمية. تتيح المنصة للمستخدمين البحث عن مقدمي الرعاية الصحية، وحجز المواعيد، والاستفادة من الاستشارات الطبية عن بعد. وتقول الشركة إنها تربط أكثر من 21,300 مقدم رعاية صحية بالمرضى في أنحاء البلاد.

يمثل هذا النموذج طبقة وصول رقمية إلى الرعاية الصحية، بحيث يمكن للمريض اختيار التخصص والموقع المناسبين، وتنظيم المواعيد، وإدارة معلومات أساسية متعلقة بحالته في مكان واحد. وتزداد أهمية هذه الخدمات بالنسبة للأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، لأن انتظام الوصول إلى الطبيب قد يكون أكثر أهمية من الزيارة الحضورية المتكررة.

اللافت هنا أن الشركة لا تحاول استبدال النظام الصحي التقليدي بالكامل، بل تعمل على تقليل الاحتكاك داخله. فهي تستهدف نقطة واضحة من نقاط الضعف: الوقت والمسافة وصعوبة الوصول إلى الاختصاصات. وفي أسواق تعاني تفاوتاً جغرافياً في توزيع الخدمات، قد تكون هذه المقاربة أكثر فعالية من بناء حلول واسعة لا تراعي الفروق المحلية.

AirCrop ونموذج الخدمة بدلاً من بيع المعدات

تظهر قيود التمويل بوضوح أكبر في القطاع الزراعي، حيث تكون كلفة المعدات مرتفعة قبل إضافة أي طبقة ذكية إليها. فالطائرات المسيرة المستخدمة في المراقبة الزراعية تتطلب شراء الأجهزة وصيانتها وتدريب العاملين عليها، وهي تكاليف قد لا تناسب كثيراً من المزارعين.

هنا تقدم شركة AirCrop نموذجاً مختلفاً يقوم على تقديم الطائرات المسيرة كخدمة بدلاً من بيعها كمنتج. وبمعنى آخر، لا يُطلب من المزارع شراء الأجهزة، بل يحصل على النتيجة النهائية التي يحتاجها: خرائط جوية، ومتابعة للمحاصيل، وتنبيهات مبكرة على مؤشرات الإجهاد أو المرض.

اعتمدت الشركة هذا النموذج وقدمته خلال فعالية Algeria Startup Challenge 2024، حيث عرضت طريقة عملها في المراقبة الزراعية واستخراج المؤشرات من الصور الجوية عالية الدقة والمستشعرات متعددة الأطياف. وتساعد هذه الأدوات على اكتشاف أنماط الإجهاد في النباتات قبل أن تصبح واضحة بالعين المجردة، ما يمنح المزارعين فرصة للتدخل المبكر وتقليل الخسائر.

وتقول الشركة إن المزارع التي استخدمت خدماتها حققت زيادة في الإنتاجية بنسبة 40%، مع خفض في التكاليف بنسبة 25%، وتراجع في الانبعاثات الكربونية بنسبة 84%. وحتى مع الحاجة إلى التعامل بحذر مع الأرقام المعلنة من الشركات نفسها، فإن الرسالة الأساسية تظل واضحة: نموذج الخدمة قد يكون أنسب من نموذج الملكية المباشرة في سوق تتطلب حلولاً أقل كلفة وأكثر مرونة.

ما الذي يميز هذا الجيل من الشركات الناشئة؟

رغم اختلاف القطاعات بين Qareeb وDZDoc وAirCrop، فإن هناك خيطاً مشتركاً بينها. جميعها تبني منتجاتها انطلاقاً من مشكلة محلية محددة، وليس من افتراضات مستوردة من بيئات أخرى. وهذا ينعكس في ثلاثة مستويات رئيسية.

  • أولاً: اختيار التقنية المناسبة للواقع التشغيلي، مثل المعالجة المحلية للبيانات عند غياب الاتصال المستقر.
  • ثانياً: تصميم الخدمة بما يوسع الوصول، سواء عبر الطب عن بعد أو عبر أدوات تسهل العثور على الخدمة المناسبة.
  • ثالثاً: اعتماد نماذج أعمال تقلل الكلفة الأولية على العميل، مثل تقديم النتائج كخدمة بدلاً من بيع الأصول نفسها.

هذه المقاربة تشير إلى نضج مختلف في التفكير الريادي. فبدلاً من السعي إلى إقناع السوق بالتكيف مع المنتج، يجري تكييف المنتج مع شروط السوق الفعلية. وقد يكون هذا النوع من الانضباط أكثر استدامة على المدى الطويل، خصوصاً في الاقتصادات التي لا تسمح بهامش كبير من التجريب المكلف.

دروس أوسع لبيئة الشركات الناشئة

تجربة الشركات الجزائرية في هذه القطاعات تقدم درساً يتجاوز حدود السوق المحلية. ففي كثير من الأحيان، يجري ربط الابتكار بوفرة التمويل أو سرعة التوسع. لكن هذه النماذج تظهر أن الابتكار قد يكون أيضاً في تحسين الملاءمة بين المنتج والبيئة. وعندما تتعامل الشركة الناشئة بجدية مع قيود البنية التحتية أو التمويل أو الجغرافيا، فإنها لا تنتج فقط حلاً أكثر واقعية، بل تبني ميزة تنافسية يصعب نسخها بسهولة.

كما أن هذه الشركات توضح أن الأسواق التي تبدو معقدة قد تمنح فرصاً حقيقية لمن يفهم تفاصيلها. فالاحتياجات غير المخدومة في الزراعة والصحة لا تعني فقط وجود مشكلة، بل تعني أيضاً وجود طلب واضح على حلول عملية قابلة للتنفيذ. ومن هنا، تصبح القيود نفسها وسيلة لتحديد الأولويات التجارية والتقنية.

في النهاية، لا تبدو قصة الشركات الناشئة في الجزائر قصة مطاردة للاتجاهات الرائجة، بل قصة بناء تدريجي لمنتجات تتعامل مع واقع محدد. وفي هذا النوع من البيئات، قد لا يكون السؤال الأهم هو مدى حداثة التقنية، بل مدى قدرتها على العمل عندما تكون الموارد محدودة والظروف غير مثالية. وهذا بالضبط ما يجعل بعض هذه الشركات جديرة بالمتابعة.