05-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الإمارات تفرض حظرًا على إنشاء حسابات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عامًا

أصبحت الإمارات أول دولة عربية تمنع الأطفال دون 15 عامًا من إنشاء حسابات شخصية على منصات التواصل الاجتماعي، مع إلزام المنصات بتطبيق أدوات صارمة للتحقق من العمر وحماية المراهقين من المخاطر الرقمية.

قرار جديد يعيد رسم حدود استخدام المنصات

اعتمدت الإمارات سياسة جديدة تمنع الأطفال دون سن 15 عامًا من إنشاء حسابات شخصية على منصات التواصل الاجتماعي أو استخدامها، في خطوة تجعلها أول دولة عربية تفرض هذا المستوى من القيود على الفئة العمرية الأصغر. والأهم أن القرار لا يكتفي بمنع الحسابات، بل يحمّل المنصات نفسها مسؤولية التحقق من الأعمار وتطبيق الحماية المناسبة.

وبحسب الإطار التنظيمي الجديد، لا يمكن الاستناد إلى موافقة ولي الأمر لتجاوز القاعدة. هذا يعني أن الحظر أصبح إلزاميًا على مستوى الاستخدام، وليس مجرد توصية أو إجراء قابل للتفاوض. وبهذا الانتقال، تدخل الإمارات في مرحلة أكثر صرامة من تنظيم الحضور الرقمي للأطفال مقارنة ببعض النماذج الدولية التي تتيح الاستثناء بموافقة أسرية.

حماية المراهقين بدلًا من الإتاحة المفتوحة

القرار يرسم فرقًا واضحًا بين الأطفال الأصغر سنًا والمراهقين الأكبر. فالأشخاص بين 15 و16 عامًا ما زالوا قادرين على الوصول إلى المنصات، لكن ضمن بيئة أكثر ضبطًا تتضمن إعدادات محتوى ملائمة للعمر، وتقليل التفاعل مع المستخدمين المجهولين، وأدوات للتحكم في وقت الشاشة، وخيارات رقابة أسرية أكثر وضوحًا.

هذا التدرج يعكس محاولة للوصول إلى توازن بين الإتاحة المحدودة والحماية، بدل فرض حظر شامل على جميع الفئات العمرية الصغيرة. وفي سياق سوق رقمي شديد التشبع في الإمارات، يبدو أن صانعي القرار يسعون إلى تنظيم الاستهلاك الرقمي لا منعه بالكامل، مع إبقاء مساحة للمراهقين الأكبر سنًا لاستخدام أكثر أمانًا.

المنصات تحت ضغط التحقق من العمر

أحد أبرز عناصر السياسة الجديدة هو إلزام الشركات المشغلة للمنصات بتطبيق آليات تحقق من العمر تكون موثوقة وقابلة للتنفيذ. وتشمل هذه الآليات التحقق بالهوية الرقمية، إلى جانب استخدام تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل أدوات القياس الحيوي، وغيرها من وسائل التأكد من العمر.

وفي المقابل، لم يعد التصريح الذاتي بالعمر مقبولًا كوسيلة كافية للتحقق. كما تُلزم القواعد المنصات بتقليل جمع البيانات وحماية المعلومات الشخصية وتجنب الاحتفاظ غير الضروري بالبيانات. هذا البند مهم لأن كثيرًا من آليات التحقق قد تثير في العادة أسئلة تتعلق بالخصوصية، لكن السياسة الإماراتية تحاول الجمع بين التحقق الصارم وتقليل الأثر على البيانات.

كما يتوجب على المنصات رصد الحسابات التي يُثبت أنها أنشئت بالمخالفة للقانون للأطفال دون 15 عامًا، ثم تعطيلها أو إيقافها فورًا. ويشمل ذلك أيضًا حظر استهداف الأطفال بإعلانات مخصصة تعتمد على التتبع أو على تحليل السلوك، في إشارة إلى توسيع نطاق الحماية ليشمل الاقتصاد الإعلاني نفسه، وليس فقط الوصول إلى المحتوى.

خلفية اجتماعية ورقمية واسعة

القرار يأتي في بلد أصبحت فيه شبكات التواصل جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية. ووفق بيانات حديثة، سجلت الإمارات أكثر من 11 مليون هوية نشطة على منصات التواصل الاجتماعي في يناير 2025، بما يعادل تقريبًا كامل السكان. لكن هذه الأرقام تعكس هويات وحسابات نشطة، وليس بالضرورة عدد المستخدمين الأفراد، إذ قد يمتلك الشخص أكثر من حساب واحد.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة لأن استخدامها الواسع جعل المنصات جزءًا من التعليم والترفيه والتواصل اليومي، خصوصًا بين الشباب. كما أن دراسة أُجريت على طلاب إماراتيين في المراحل الدراسية من السابع حتى الثاني عشر، إضافة إلى طلاب جامعيين، أظهرت أن يوتيوب كان الأكثر استخدامًا بنسبة 95%، تليه تيك توك بنسبة 67% ثم إنستغرام بنسبة 62%، ما يوضح مدى تغلغل هذه المنصات في الحياة الرقمية للفئات الصغيرة واليافعة.

تشريعات أوسع لتنظيم الطفولة الرقمية

لا يأتي هذا القرار بمعزل عن حزمة أوسع من السياسات المتعلقة بالأمن الرقمي للأطفال. ففي عام 2025، أطلقت الدولة قانونًا اتحاديًا يتعلق بسلامة الطفل الرقمية، تضمن متطلبات على المنصات تشمل آليات التحقق من العمر، وإعدادات الخصوصية الافتراضية، وأدوات تصفية المحتوى، وأنظمة تصنيف عمري. كما أنشأت السلطات مجلسًا وطنيًا لسلامة الطفل الرقمية لتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة.

هذا التطور يشير إلى أن الدولة لا تتعامل مع القضية بوصفها إجراءً منفردًا أو استجابة مؤقتة، بل ضمن سياسة تنظيمية مترابطة تهدف إلى بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال. ومع التوسع السريع في استخدام الأجهزة الذكية، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقًا بإتاحة الوصول إلى الإنترنت فقط، بل بكيفية ضبط هذا الوصول وتخفيف مخاطره.

الإمارات ضمن موجة دولية أوسع

الخطوة الإماراتية تضعها أيضًا ضمن موجة عالمية تتجه إلى تشديد القيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل. فقد اتخذت أستراليا وماليزيا إجراءات تمنع من هم دون 16 عامًا من امتلاك حسابات، فيما تبنت فرنسا نموذجًا يسمح بالوصول الأصغر سنًا لكن بموافقة الوالدين. كما أعلنت المملكة المتحدة خططًا لفرض قيود على من هم دون 16 عامًا.

لكن ما يميز النموذج الإماراتي هو أنه يضع حدًا عمريًا واضحًا عند 15 عامًا، ويرفض الاستثناء بموافقة الأهل، ويُلزم المنصات بآليات تنفيذ عملية. وهذه النقاط الثلاث قد تجعل القرار مرجعًا محتملًا في المنطقة العربية، خاصة مع تصاعد الجدل حول تأثير الخوارزميات، والمحتوى غير المناسب، والوقت الطويل الذي يقضيه الأطفال على التطبيقات الاجتماعية.

في المحصلة، تعكس السياسة الجديدة انتقالًا من مرحلة التحذير إلى مرحلة التنظيم الملزم. ومع ارتفاع الاعتماد على التحقق الرقمي والذكاء الاصطناعي في تنفيذ القواعد، ستواجه المنصات تحديًا مزدوجًا: الامتثال للأنظمة الجديدة من جهة، والحفاظ على تجربة مستخدم متوازنة من جهة أخرى. أما بالنسبة للعائلات والمدارس والجهات التنظيمية، فقد يبدأ فصل جديد من النقاش حول أين تنتهي حرية الوصول إلى العالم الرقمي وتبدأ مسؤولية الحماية.