06-Jul-2026 4 دقائق قراءة

OpenAI: الذكاء الاصطناعي يرفع إنتاجية العمل ولا يبدد الوظائف

أكد كبير الاقتصاديين في OpenAI أن الذكاء الاصطناعي لا يُقصي البشر من سوق العمل، بل يعيد تشكيل المهام ويرفع الإنتاجية، في وقت يتزايد فيه الجدل حول تأثير التقنية على التوظيف والنمو الاقتصادي.

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الوظائف

يرى كبير الاقتصاديين في OpenAI، روناي شاتيرجي، أن صعود الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة نهاية دور الإنسان في بيئة العمل، بل يشير إلى مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة المهام وطريقة إنجازها. وجاءت تصريحاته خلال مشاركته في الاجتماع السنوي للبنك المركزي الأوروبي في مدينة سينترا البرتغالية، حيث دار نقاش واسع بين خبراء الاقتصاد وصناع القرار حول أثر التقنية في التوظيف والنمو والإنتاجية.

وبحسب هذا الطرح، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت التقنية ستقضي على الوظائف، بل كيف ستعيد توزيع الأدوار داخل المؤسسات. فبدلاً من النظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل مباشر للعاملين، يُطرح الآن بوصفه أداة قادرة على تطوير الأعمال وتسريعها ورفع كفاءتها.

منطق التطور لا الإلغاء

شاتيرجي شدد على أن المهام التي تدخلها أدوات الذكاء الاصطناعي لا تختفي بالضرورة، وإنما تتحول إلى أشكال مختلفة من العمل. وهذا يعني أن الوظائف نفسها قد تتغير في تفاصيلها ومهاراتها المطلوبة، في حين يبقى العنصر البشري جزءاً أساسياً من دورة الإنتاج واتخاذ القرار والإشراف.

هذا المنظور يعكس اتجاهاً متزايداً في الأوساط الاقتصادية يرى أن التكنولوجيا غالباً ما تعيد صياغة المهن بدلاً من محوها بالكامل. فكل موجة ابتكار كبيرة في التاريخ الاقتصادي أدت إلى ظهور وظائف جديدة واختفاء بعض المهام التقليدية، من دون أن تلغي الحاجة العامة إلى العمالة البشرية.

مثال من التحول الرقمي في الثمانينيات

وللدلالة على هذا التحول، استشهد المسؤول في OpenAI بتجربة عائلية تعود إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت الحواسيب الشخصية تدخل أماكن العمل. في تلك المرحلة، انتقلت المؤسسات من أنظمة مركزية وأدوات تقليدية إلى بيئة عمل أكثر اعتماداً على التقنية، ما زاد من الإنتاجية وغيّر شكل المكاتب والإجراءات اليومية.

الرسالة التي أراد إيصالها من هذا المثال واضحة: الابتكار لا يقتصر على استبدال أدوات بأخرى، بل يخلق نمطاً مختلفاً من الكفاءة. وبالمثل، يرى أن الذكاء الاصطناعي اليوم يفتح الباب أمام تحسين الأداء بدل الاكتفاء بقراءة المستقبل من زاوية خسارة الوظائف فقط.

قلق البنوك المركزية من أثر التقنية

تأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه آثار الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وسوق العمل جزءاً من نقاشات البنوك المركزية، مع اختلاف التقديرات بشأن سرعة التحول وحجم التأثير المتوقع. فصناع السياسة النقدية يراقبون عن كثب انعكاس التقنية على معدلات التوظيف، والإنتاجية، والطلب الاستهلاكي، وحتى على بنية الأجور في بعض القطاعات.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد إن مراقبة التحولات في سوق العمل باتت ضرورة أساسية، مشيرة إلى أن أوروبا يمكنها الاستفادة من الذكاء الاصطناعي سريعاً حتى لو لم تكن في صدارة تطوير النماذج الأكثر تقدماً. وهذا يعكس قناعة متنامية بأن القيمة الاقتصادية للتقنية لا تتوقف عند إنتاجها، بل تشمل أيضاً سرعة تبنيها داخل الشركات والمؤسسات.

تبني الشركات الأوروبية يتسارع

من جانبه، أشار كبير اقتصاديي البنك المركزي الأوروبي فيليب لين إلى أن الشركات الأوروبية تتجه إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة. ولفت إلى أن هذه السرعة في التبني تميز التقنية عن كثير من الابتكارات العامة السابقة، التي احتاجت وقتاً أطول قبل أن تتحول إلى جزء فعلي من العمليات اليومية داخل الشركات.

هذا التوسع في الاستخدام لا يقتصر على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بل يمتد إلى خدمات المال والأعمال، والعمليات الإدارية، وتحليل البيانات، ودعم العملاء. وكلما اتسع الاستخدام، ازداد الاهتمام بسؤال التوازن بين الفائدة الإنتاجية والتأثير على سوق العمل.

الوظائف التقنية أكثر صموداً من المتوقع

ورغم المخاوف المتكررة من فقدان الوظائف، أشار شاتيرجي إلى أن بعض المهن التقنية المرتبطة بالبرمجة لم تشهد التراجع الحاد الذي كان متوقعاً قبل سنوات. ويفهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي، حتى في أكثر المجالات تعرضاً للأتمتة، لم يؤد حتى الآن إلى إزاحة شاملة للكوادر البشرية.

ويُنظر إلى هذا التطور على أنه مؤشر على أن السوق لا يتحرك في اتجاه الاستبدال الكامل، بل في اتجاه الدمج بين قدرات الإنسان والآلة. فالمهارات المطلوبة اليوم لم تعد تقتصر على كتابة الأكواد أو تنفيذ المهام الروتينية، بل تشمل القدرة على إدارة الأدوات الذكية وتفسير مخرجاتها وتوجيهها.

الإنتاجية في قلب النقاش

جوهر الرسالة التي طرحها المسؤول في OpenAI يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداة لرفع إنتاجية العاملين بدلاً من تهديد وجودهم. وهذه الفكرة تحظى باهتمام متزايد لدى الشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى على حد سواء، لأنها تفتح المجال أمام تشغيل أقل كلفة وأكثر سرعة، مع الحفاظ على العنصر البشري في المهام التي تتطلب حكماً وخبرة وسياقاً.

لكن هذا لا ينفي وجود تحديات حقيقية. فالتغير السريع في الأدوات قد يفرض على العاملين اكتساب مهارات جديدة بوتيرة أسرع، كما قد يوسع الفجوة بين من يواكب التحول الرقمي ومن يتأخر عنه. لذلك يبقى أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل مرتبطاً بقدرة الاقتصادات على إعادة التأهيل والتدريب وتحديث السياسات التعليمية والمهنية.

خلاصة المشهد

التصريحات الصادرة من OpenAI، إلى جانب المواقف الأوروبية، ترسم صورة متوازنة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في العمل: التقنية تتقدم بسرعة، لكن هذا التقدم لا يعني نهاية دور البشر. الأرجح، وفق هذا المنظور، أن الشركات ستستفيد من الأتمتة في رفع الكفاءة، بينما تظل الحاجة قائمة إلى العاملين الذين يستطيعون توظيف هذه الأدوات ضمن بيئات عمل متغيرة ومعقدة.

وبين المخاوف المتصلة بالتوظيف والتوقعات المتفائلة بشأن الإنتاجية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل، بل إلى أي مدى ستنجح المؤسسات والعمال في التكيف مع هذا التغيير.