أعلنت منصة جاذر السعودية المتخصصة في الإيجارات القصيرة عن جمع 72 مليون دولار ضمن جولة تمويل من الفئة Series B، في خطوة تعكس اتساع شهية المستثمرين تجاه الشركات الناشئة العاملة عند تقاطع السياحة والتقنية في المملكة. ورفعت الجولة تقييم الشركة إلى أكثر من 266 مليون دولار، بينما قالت الشركة إن التمويل الجديد سيدعم مرحلة التوسع التالية والتحضير لإدراج محتمل في السوق المالية السعودية تداول.
الجولة قادتها سنابل للاستثمار، التابعة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، بمشاركة كل من STV وPinnacle Capital وNuwa Capital وEndeavor Catalyst. ويعطي هذا المزيج من المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين إشارة إلى أن نموذج الشركة بات يُنظر إليه على أنه قصة نمو قابلة للتوسع داخل السوق السعودية وخارجها.
تأسست جاذر في عام 2016 على يد لطيفة التميمي، وبدأت في الأصل كمنصة لحجز الشاليهات داخل السعودية. ومع مرور الوقت، تطور نشاطها ليشمل مفهوم الضيافة البديلة بشكل أوسع، عبر تمكين الأفراد من عرض وحداتهم للإيجار قصير الأجل، مع تقديم خيارات للإقامة الشهرية أيضاً في الرياض، بحسب ما تعرضه المنصة.
شركة ناشئة في قلب التحول السياحي السعودي
تأتي هذه الجولة في وقت تشهد فيه السعودية توسعاً سريعاً في قطاع السياحة والسفر، مدفوعاً بمستهدفات رؤية 2030 وزيادة الفعاليات والمواسم واستقطاب الزوار من الخارج. وفي هذا السياق، تبدو الشركات التي تقدم حلول إقامة مرنة أكثر قدرة على الاستفادة من تغير الطلب، خاصة مع ارتفاع عدد المسافرين الباحثين عن بدائل للفنادق التقليدية.
جاذر تقول إنها تدير عبر شبكتها أكثر من 72 ألف وحدة ضيافة خاصة يشغلها مضيفون محليون في مختلف أنحاء المملكة. وتشير الشركة إلى أن هذا الرقم يعادل نحو 15% من إجمالي المعروض الفندقي وغير الفندقي في السوق السعودية. كما تؤكد امتلاكها 44% من سوق الضيافة البديلة في المملكة، وترتفع هذه الحصة إلى 53% في الرياض.
هذه الأرقام، إذا استمرت في الصعود، تضع الشركة في موقع مهم داخل سوق لا يعتمد فقط على الترفيه، بل أيضاً على السفر الداخلي، والرحلات العائلية، والإقامة الممتدة المرتبطة بالعمل أو الدراسة أو الفعاليات الموسمية.
ما الذي يعنيه التمويل الجديد لجاذر
بحسب الشركة، ستُستخدم الأموال الجديدة في تسريع التوسع المحلي والإقليمي، مع تركيز خاص على جذب المسافرين القادمين من الخارج وتلبية الطلب المتزايد على الإقامات طويلة الأجل. كما تخطط لتعزيز بنيتها التقنية، بما يشمل تحسين تجربة المستخدم بالاعتماد على أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسيع شبكة المضيفين على المنصة.
هذا التوجه يحمل أكثر من دلالة. أولاً، أن الشركة لم تعد تركز فقط على النمو داخل فئة الشاليهات أو الإيجارات المحلية، بل تريد ترسيخ موقعها كلاعب ضيافة أوسع. ثانياً، أن الاستثمار في البنية التقنية بات ضرورياً للحفاظ على الكفاءة مع زيادة عدد الوحدات والمستخدمين وعمليات الحجز. وثالثاً، أن الاستعداد المبكر للطرح العام يتطلب مستوى أعلى من الانضباط التشغيلي والحوكمة والشفافية المالية.
وفي عالم الشركات الناشئة، غالباً ما تمثل جولة Series B نقطة انتقال من إثبات النمو إلى بناء شركة قادرة على العمل على نطاق أكبر. لذلك فإن قرار توجيه التمويل نحو التوسع والتقنية والجاهزية المؤسسية يبدو منسجماً مع مرحلة جاذر الحالية.
مؤشرات نمو لافتة خلال السنوات الأخيرة
تقول جاذر إنها حققت نمواً تجاوز 500% خلال العامين الماضيين، وهو معدل يلفت الانتباه في سوق يشهد دخول لاعبين متعددين محلياً وعالمياً. كما تشير الشركة إلى امتلاكها أكثر من 5 ملايين مستخدم مسجل، واستقبالها ضيوفاً من 150 جنسية.
ومن حيث الأثر الاقتصادي، أفادت الشركة بأنها ضخت أكثر من 533 مليون دولار في الاقتصاد المحلي منذ انطلاقها، واستفاد من ذلك أكثر من 33 ألف مضيف سعودي يحققون دخلاً شهرياً من خلال المنصة. وتوضح البيانات أيضاً أن إجمالي المبالغ المدفوعة للمضيفين المحليين تجاوز 533 مليون دولار.
هذه المؤشرات مهمة لأنها لا تقيس حجم الاستخدام فقط، بل تعكس كذلك قدرة المنصة على خلق جانب عرض نشط ومستمر. وفي نماذج المنصات، يعتبر استقرار العرض وجودته عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن اكتساب المستخدمين، لأن تجربة الضيف ترتبط بشكل مباشر بتنوع الوحدات وتوافرها ومستوى الخدمة.
الطرح العام المحتمل يضع الشركة أمام مرحلة مختلفة
أوضحت جاذر أن الجولة الجديدة ستساعدها على الاستعداد لطرح عام أولي في تداول في المستقبل القريب، من دون إعلان جدول زمني محدد. ورغم أن كثيراً من الشركات الناشئة تذكر الطرح العام كهدف بعيد، فإن الإشارة إليه في هذه المرحلة تعني أن الشركة تريد الانتقال تدريجياً من منطق النمو المدفوع برأس المال الجريء إلى منطق الشركة العامة الخاضعة لمعايير إفصاح أعلى.
التحضير للإدراج لا يتعلق فقط بجمع الأموال، بل يتطلب بنية مؤسسية أكثر نضجاً، تشمل الحوكمة، وإدارة المخاطر، والقدرة على تقديم نتائج تشغيلية يمكن للمستثمرين متابعتها بشكل ربع سنوي. كما أن الأسواق العامة عادة ما تمنح وزناً أكبر للاستدامة الربحية، وليس فقط لنمو الإيرادات أو توسع قاعدة المستخدمين.
إذا نجحت جاذر في هذه المرحلة، فقد تصبح من أبرز الأمثلة على نضج الشركات التقنية السعودية التي بدأت محلية ثم تحولت إلى كيانات مؤهلة لسوق المال. وهذا مهم لمنظومة الشركات الناشئة في المملكة، لأنه يفتح مسار خروج مختلفاً عن الاستحواذات أو الجولات المتتابعة.
دلالة الجولة على منظومة الشركات الناشئة في السعودية
الصفقة تحمل أيضاً بعداً أوسع من قصة شركة واحدة. فارتفاع تقييم جاذر إلى أكثر من 266 مليون دولار يبرز حجم التغير الذي شهده قطاع الشركات الناشئة في السعودية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالاستهلاك والخدمات الرقمية والسياحة.
كما أن الشركة وُصفت بأنها الأعلى قيمة بين الشركات الناشئة المدعومة برأس المال الجريء في الشرق الأوسط التي أسستها وتقودها امرأة. هذا البعد يعكس تطوراً إضافياً في مشهد ريادة الأعمال الإقليمي، حيث باتت الشركات المؤسسة بقيادات نسائية تحجز موقعاً أكثر حضوراً في جولات التمويل الكبيرة والقطاعات سريعة النمو.
ومن ناحية استثمارية، فإن مشاركة جهات مثل سنابل وSTV ومستثمرين آخرين في الجولة توضح أن رأس المال الجريء في المنطقة يبحث بشكل متزايد عن شركات يمكنها الاستفادة من التغيرات الاقتصادية المحلية الكبرى، مثل نمو السياحة، وتوسع الاقتصاد الرقمي، وزيادة الطلب على خدمات مرنة مدفوعة بالتقنية.
ما الذي يواجه جاذر في المرحلة المقبلة
رغم قوة المؤشرات، فإن الطريق أمام الشركة لن يكون خالياً من التحديات. فالتوسع في سوق الضيافة البديلة يرتبط بعوامل تشغيلية وتنظيمية معقدة، تشمل جودة الوحدات، والامتثال، وخدمة العملاء، وإدارة السمعة، والحفاظ على توازن صحي بين الضيوف والمضيفين. كما أن دخول مزيد من المنافسين قد يرفع كلفة اكتساب العملاء ويضغط على الهوامش.
إضافة إلى ذلك، فإن الانتقال من شركة ناشئة سريعة النمو إلى شركة تستعد للإدراج يتطلب تغييراً في أسلوب الإدارة نفسها. فالمستثمرون في الأسواق العامة ينظرون بعين مختلفة إلى مؤشرات الأداء، ويهتمون أكثر بالوضوح المالي والانضباط التشغيلي وقدرة الشركة على تحقيق نمو يمكن الدفاع عنه على المدى الطويل.
مع ذلك، تبدو جاذر اليوم في موقع متقدم داخل سوق محلية كبيرة تتوسع بسرعة. وإذا تمكنت من تحويل تمويلها الجديد إلى تحسينات واضحة في التقنية، وزيادة العرض، وتوسيع حضورها بين المسافرين الدوليين، فقد تدخل مرحلة جديدة تجعلها من أبرز شركات الضيافة التقنية الخارجة من السعودية.
خلفية تمويلية تعكس مسار صعود مستمر
قبل هذه الجولة، كانت جاذر قد جمعت 6 ملايين دولار في جولة Series A قادتها STV في عام 2021، كما حصلت على تمويل إضافي غير معلن في جولة ما قبل Series B خلال 2022. ويظهر هذا التسلسل أن الشركة اتبعت مساراً تصاعدياً في جذب رأس المال، مترافقاً مع توسع واضح في حجم الأعمال وحضورها داخل السوق.
وبالنظر إلى المعطيات الحالية، فإن الجولة الأخيرة لا تبدو مجرد تمويل للنمو، بل خطوة لترتيب الشركة لمرحلة أكثر حساسية، حيث سيتعين عليها إثبات أن حجمها الحالي يمكن تحويله إلى نموذج أعمال أكثر نضجاً، وقابلية أعلى للاستدامة، وجاهزية فعلية لسوق المال.
بالنسبة لمنظومة الشركات الناشئة في المنطقة، تمثل جاذر حالة تستحق المتابعة: شركة انطلقت من حاجة محلية واضحة، واستفادت من تغيرات اقتصادية كبيرة، وبنت قاعدة تشغيلية واسعة، وهي الآن تختبر قدرتها على الانتقال من شركة نمو سريع إلى مرشح فعلي للإدراج العام.