تتسارع الشركات الناشئة في البحث عن طرق عملية لدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، لكن شركة Legora المتخصصة في التكنولوجيا القانونية اختارت مقاربة مختلفة عن المعتاد. فبدلاً من الاكتفاء بتوفير الأدوات الذكية للموظفين، تعمل الشركة على دفعهم إلى استخدامها بكثافة، باعتبار ذلك وسيلة لتسريع التعلم ورفع الكفاءة داخل بيئة العمل.
ويقوم هذا التوجه على فكرة داخلية تحمل اسم Tokenmaxxing، وهو مصطلح يشير إلى زيادة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي واستهلاك أكبر عدد ممكن من الرموز النصية التي تعتمد عليها هذه النماذج في تنفيذ المهام. ووفقاً لجاكوب لوريتزن، الشريك المؤسس والرئيس التقني في الشركة، فإن الهدف ليس الاستهلاك العشوائي، بل تشجيع الموظفين على التفاعل المتكرر مع الأدوات الذكية لاكتشاف إمكاناتها وحدودها بصورة أسرع.
هذا النهج يعكس تحوّلاً مهماً في طريقة تفكير بعض الشركات الناشئة تجاه الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من النظر إليه كخيار إضافي أو أداة جانبية، بات يُعامل في Legora كجزء أساسي من طريقة العمل، وكسلاح تنافسي يمكن أن يختصر الوقت ويزيد جودة المخرجات، خصوصاً في بيئة تتعامل مع كميات كبيرة من النصوص والوثائق القانونية.
استهلاك أكبر يعني تعلماً أسرع
يرى لوريتزن أن الاستخدام المكثف لأدوات الذكاء الاصطناعي يساعد الموظفين على اكتساب خبرة عملية أسرع. فالتعامل المستمر مع النماذج الذكية يتيح لهم فهم الطريقة التي تستجيب بها هذه الأدوات، وما الذي يمكن الاعتماد عليه فيها، وأين تبدأ حدودها. وفي نظره، فإن هذه الخبرة لا تأتي من المراقبة أو القراءة فقط، بل من التجربة اليومية المتكررة.
وبهذا المعنى، لا تتعامل Legora مع الاستهلاك المرتفع للذكاء الاصطناعي بوصفه هدراً للموارد، بل كاستثمار في التعلم المؤسسي. فكلما زادت قدرة الموظف على اختبار سيناريوهات مختلفة، زادت فرصه في ابتكار طرق أكثر فاعلية لإنجاز المهام وتقليل الاعتماد على العمليات اليدوية التقليدية.
وتُظهر هذه الفلسفة كيف بدأت بعض الشركات الناشئة تتحرك من منطق التبني المحدود للتقنيات الجديدة إلى منطق الاستخدام الشامل. فالمسألة لم تعد تقتصر على إدخال أداة ذكية هنا أو هناك، بل على بناء سلوك يومي جديد يجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من دورة العمل نفسها.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى جزء من الثقافة المؤسسية
في Legora، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره طبقة تقنية منفصلة عن العمل، بل كعنصر مؤثر في الثقافة الداخلية للشركة. هذا يعني أن الفرق المختلفة تُشجع على الاستفادة منه في مهامها اليومية، سواء في البحث، أو الصياغة، أو تنظيم المعلومات، أو تسريع الوصول إلى نتائج أكثر دقة.
ويحمل هذا التحول دلالة أوسع في عالم الشركات الناشئة، حيث أصبحت الثقافة المؤسسية نفسها مرتبطة بمدى استعداد الفريق لتبنّي الأدوات الذكية والتكيف معها. فالشركة التي تريد التحرك بسرعة في سوق متغير، تحتاج إلى موظفين يملكون القدرة على التجريب والتعلم المستمر، وليس فقط تنفيذ المهام وفق قوالب ثابتة.
كما أن هذه المقاربة تضع الذكاء الاصطناعي في موقع يشبه البنية التحتية الداخلية، لا مجرد تطبيق خارجي. وعندما يصل استخدام التقنية إلى هذا المستوى، تصبح قرارات الفريق اليومية أكثر ارتباطاً بالقدرة على الاستفادة من النماذج الذكية في تحسين الوقت والجودة وإدارة المعلومات.
سباق بين الشركات الناشئة على تبني الأدوات الذكية
تأتي تجربة Legora في وقت يشهد فيه قطاع الشركات الناشئة سباقاً واضحاً على تبني الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات الناشئة، خاصة في قطاعات الخدمات والتقنية والقانون والتمويل، تبحث عن وسائل تمنحها مرونة أكبر وتقلل من الوقت اللازم لإنجاز الأعمال، مع الحفاظ على جودة المخرجات.
وفي هذا السياق، أصبح توفير الأدوات الذكية للموظفين جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالإنتاجية والسرعة والقدرة على التوسع. فالشركة التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي بسرعة داخل عملياتها قد تحقق أفضلية واضحة أمام منافسيها، سواء في التكلفة أو في سرعة اتخاذ القرار أو في تحسين تجربة العملاء.
كما أن هذا التوجه يعكس تبدلاً في توقعات المؤسسين والمديرين التنفيذيين. فبدلاً من الاكتفاء بتجارب محدودة أو مشاريع تجريبية صغيرة، باتت هناك رغبة في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة يومية مستمرة، مع تشجيع الموظفين على اكتشاف استخدامات جديدة لم تكن جزءاً من الخطط الأصلية.
من قياس الأداء إلى قياس الاستخدام
من أبرز ما تكشفه هذه التجربة أن بعض الشركات الناشئة بدأت تنظر إلى الاستخدام نفسه باعتباره مؤشراً على نضج الفريق واستعداده للتكيف مع المرحلة المقبلة. ففي السابق، كان التركيز ينصب غالباً على النتائج النهائية فقط، أما اليوم فأصبح مستوى التفاعل مع الأدوات الذكية جزءاً من معايير التطور الداخلي.
هذا التحول مهم لأنه يضع الموظف في موقع الفاعل لا المتلقي. فبدلاً من انتظار حلول جاهزة، يُطلب منه أن يختبر الأدوات وأن يحاول إعادة صياغة طريقة إنجاز العمل اعتماداً على ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات. ومع الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير أعمق في ثقافة الشركة بأكملها.
وفي بيئة التكنولوجيا القانونية على وجه الخصوص، قد يمنح هذا النهج نتائج ملموسة، نظراً لطبيعة العمل التي تعتمد على الدقة وسرعة الوصول إلى المعلومات وتحليل المستندات. وكلما كانت الفرق أكثر خبرة في التعامل مع الأدوات الذكية، زادت قدرتها على التعامل مع هذه المهام بكفاءة أعلى.
تحول أوسع داخل بيئة الشركات الناشئة
تسلط حالة Legora الضوء على مسار أكبر تشهده الشركات الناشئة حول العالم، يتمثل في الانتقال من تبنّي الذكاء الاصطناعي كأداة إلى توظيفه كمنهج عمل. وهذا المسار لا يقتصر على قطاع واحد، بل يمتد إلى مجالات متعددة تبحث عن طرق جديدة لتنظيم الجهد البشري وتوسيع أثر الفرق الصغيرة.
ومع استمرار تطور النماذج الذكية وتنوع التطبيقات المرتبطة بها، يبدو أن المنافسة المقبلة لن تقتصر على امتلاك الوصول إلى التقنية، بل ستشمل أيضاً القدرة على جعلها جزءاً من السلوك المؤسسي اليومي. ففي عالم الشركات الناشئة، قد تكون سرعة التكيف مع هذه الأدوات عاملاً حاسماً في النمو والبقاء والتوسع.
ومن هنا، تبدو تجربة Legora مثالاً على مرحلة جديدة في علاقة الشركات الناشئة بالذكاء الاصطناعي؛ مرحلة تتجاوز الاستخدام التقليدي نحو بناء ثقافة داخلية تشجع على التجريب، وتكافئ التعلم، وتربط التطور المهني بمدى القدرة على الاستفادة من الأدوات الذكية بشكل مستمر.