الشركات الناشئة 16-Feb-2026 5 دقائق قراءة

كيف صنعت الأزمة في لبنان موجة جديدة من شركات الصحة النفسية الرقمية

تجربة لبنان مع الحرب والأزمات الاقتصادية دفعت ناشئين ومختصين إلى بناء أدوات رقمية للصحة النفسية أكثر قربًا من اللغة والثقافة واحتياجات الناس العاجلة.

أزمة تحولت إلى حافز للابتكار

في لبنان، لم تعد الصحة النفسية موضوعًا جانبيًا أو نقاشًا نخبويا محدودًا. فسنوات من الحرب وعدم الاستقرار والضغط الاقتصادي دفعت هذا الملف إلى قلب الحديث العام، وفتحت الباب أمام جيل جديد من الشركات الناشئة التي تبني حلولًا رقمية قريبة من الناس، ومصممة لتناسب ظروفهم اليومية.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فمع تكرار الأزمات، أصبح الطلب على الدعم النفسي أكثر إلحاحًا، وأصبح الوصول إلى المساعدة التقليدية أصعب بالنسبة إلى كثيرين. وبينما كان البعض يبحث عن خدمات منخفضة التكلفة أو أكثر مرونة، بدأ رواد أعمال ومختصون بتطوير منصات يمكن استخدامها من المنزل، وباللغة التي يفهمها المستخدم، ومن دون الحرج المرتبط أحيانًا بالطرق التقليدية للعلاج.

في هذا السياق، تحولت الشركات الناشئة من مجرد مشاريع تقنية إلى أدوات استجابة اجتماعية، تعمل على تقليل الفجوة بين الحاجة وبين الخدمة المتاحة.

منصة ناشئة وُلدت وسط التوتر

من بين هذه المبادرات منصة Elggo، التي أسستها لُما مكاري مع الشريكة المؤسسة ميرنا منعم. المنصة بدأت في الإمارات، لكنها وسعت حضورها في المنطقة، قبل أن تطلق نسخة إغاثية استجابة للتصعيد الأخير في لبنان. الهدف كان توفير مساحة رقمية مفتوحة للدعم النفسي، بدلًا من انتظار عودة الظروف إلى طبيعتها.

النسخة الإغاثية من المنصة أتاحت جلسات جماعية مجانية عبر الإنترنت بإشراف معالجين من المنطقة، إلى جانب أدوات يومية للكتابة التأملية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ودليلًا لمصادر موثوقة في عدد من الدول العربية، من بينها لبنان والإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين والأردن وعُمان.

المهم هنا ليس فقط وجود الخدمة، بل طبيعتها. فهي تحاول أن تكون سريعة، ومجانية في لحظة الحاجة، وقادرة على العمل في بيئة تتغير فيها حياة المستخدمين من يوم إلى آخر.

الطلب يتغير من التصفح إلى الحاجة العاجلة

تؤكد تجارب أخرى في السوق أن سلوك المستخدمين تغيّر بوضوح. فبدلًا من البحث العام أو الاستكشاف البطيء، بات كثيرون يصلون إلى منصات الصحة النفسية وهم يبحثون عن دعم فوري، أحيانًا في اليوم نفسه. هذا التحول يعكس حجم الضغط النفسي المصاحب للحرب والتهجير وفقدان الاستقرار.

منصة Areeka Care، التي تربط المستخدمين بمختصين مرخصين محليين، رصدت بدورها ارتفاعًا في الحاجة إلى المساندة السريعة. وقدمت المنصة جلسة مجانية للمتضررين من الحرب، في إشارة إلى أن الشركات الناشئة في هذا المجال لم تعد تنافس فقط على التقنية، بل على القدرة على الاستجابة الإنسانية المناسبة.

لكن التحدي لا يقتصر على توفر الخدمة. فالمستخدم المرهق نفسيًا غالبًا ما يكون أقل انتظامًا في المتابعة، وأكثر حاجة إلى تجربة سهلة وواضحة ومباشرة. وهنا تظهر أهمية التصميم البسيط واللغة القريبة والثقة في الجهة المقدمة للخدمة.

لماذا تُعد لبنان حالة مختلفة؟

يرى مختصون في الصحة النفسية أن لبنان يملك درجة أعلى من الوعي بهذه القضايا مقارنةً بأسواق عربية مجاورة. ويعود ذلك، جزئيًا، إلى تراكم الأزمات خلال العقدين الماضيين، ما جعل الحديث عن القلق والاكتئاب والضغط النفسي أقل غموضًا وأكثر حضورًا في المجال العام.

هذا الانفتاح النسبي خلق بيئة أكثر تقبلًا للتجارب الرقمية. فحين يصبح الحديث عن المشاعر والاضطرابات النفسية أكثر شيوعًا، تقل الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة، وتصبح المنصات الإلكترونية خيارًا عمليًا بدلًا من أن تكون بديلًا غريبًا أو هامشيًا.

كما أن الأزمات المتكررة دفعت المجتمع إلى الاعتماد على حلول مرنة ومنخفضة التكلفة. ولهذا، فإن تطبيقات الاستشارة والدعم النفسي المجاني أو منخفض السعر تبدو أكثر ملاءمة للواقع اللبناني من النماذج التقليدية التي تتطلب وقتًا ومالًا وحضورًا جسديًا ثابتًا.

الخصوصية واللغة في صميم التصميم

أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة اللبنانية هو أن نجاح شركات الصحة النفسية الناشئة لا يعتمد على التقنية وحدها. فالخصوصية، واللغة، والملاءمة الثقافية عناصر أساسية في بناء الثقة. كثير من الحلول القادمة من خارج المنطقة لا تراعي الفروقات اللغوية والاجتماعية الدقيقة، وهو ما يجعلها أقل فاعلية في السياق العربي.

لهذا، تعمل المنصات المحلية مع أطباء ومعالجين من المنطقة، وتتيح التواصل بلهجات عربية متعددة، بما فيها العربية المكتوبة بشكل دارج كما يستخدمها كثير من الشباب. هذا التفصيل قد يبدو بسيطًا، لكنه مهم جدًا في قطاع يعتمد على الإحساس بالأمان والانتماء قبل أي شيء آخر.

كما أن المستخدمين في المجتمعات التي تعيش ضغوطًا مستمرة يبحثون غالبًا عن درجات أعلى من السرية. والمنصة التي تنجح في الجمع بين سهولة الاستخدام والتفاهم الثقافي والحفاظ على الخصوصية، تكون أقرب إلى إقناع المستخدم بالعودة إليها مرة أخرى.

أدوات محلية تدعم شبكة أوسع

إلى جانب المبادرات الناشئة، توجد في لبنان أدوات رقمية أخرى تقدم دعمًا مجانيًا أو موجهًا، مثل منصات تساعد في الوصول إلى خدمات نفسية أو تصفية الجهات غير الحكومية المناسبة لحاجة المستخدم. هذه المنظومة الرقمية لا تعمل كحل واحد نهائي، بل كشبكة صغيرة من الخيارات التي تعزز الوصول إلى المساعدة وتقلل من العوائق.

هذه التجربة مهمة لأنها توضح أن الابتكار في الشركات الناشئة لا يعني دائمًا اختراع منتج جديد بالكامل، بل قد يعني أيضًا إعادة ترتيب الخدمة حول ما يحتاجه الناس فعلًا: الوصول السريع، والتكلفة المنخفضة، والملاءمة اللغوية، والقدرة على العمل في أوقات الأزمات.

وفي بلد تتكرر فيه الصدمات، تصبح هذه التفاصيل جزءًا من البنية الأساسية غير المرئية للنجاة اليومية.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟

رغم أن مسار الحرب ما يزال غير واضح، فإن أثرها في قطاع الصحة النفسية الرقمية يبدو مستمرًا. فالمنصات اللبنانية لم تعد مجرد استجابة مؤقتة للأزمة، بل بدأت ترسم ملامح نموذج قد يمتد إلى أسواق عربية أخرى تعاني بدورها من التوتر وعدم الاستقرار.

هذا النموذج يقوم على فكرة بسيطة لكن مؤثرة: الحلول الفعالة ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا، بل الأكثر فهمًا للبيئة التي تعمل فيها. وعندما تكون الخدمة مصممة بلغة المستخدم، وتراعي خلفيته الاجتماعية، وتقدم الدعم في الوقت المناسب، فإنها تتحول من تطبيق إلى أداة حقيقية للمساندة.

وهكذا، قد تكون الأزمات اللبنانية قد سرعت ولادة موجة من الشركات الناشئة في الصحة النفسية الرقمية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن درس أوسع: التكنولوجيا الناجحة في العالم العربي هي تلك التي تنطلق من الواقع المحلي، لا من تصور بعيد عنه.