10-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة يعود إلى مسار النمو مع قفزة تمويلية جديدة في 2026

تُظهر بيانات منتصف 2026 أن قطاع الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة تجاوز مرحلة التصحيح التي أصابته في 2023، مع عودة التمويل إلى الارتفاع، وتوسع الاستثمارات في البنية التحتية، وتزايد وزن الشركات العميقة والمتخصصة داخل المنظومة التقنية البريطانية.

أظهرت بيانات منتصف عام 2026 أن منظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة دخلت مرحلة مختلفة من تطورها، بعد عامين من التذبذب في التمويل وتبدل شهية المستثمرين. فالسوق، التي شهدت في 2023 تراجعاً حاداً من 31.3 مليار دولار إلى 21.3 مليار دولار، عادت لتلتقط أنفاسها خلال 2025 قبل أن تسجل بداية قوية في 2026.

وبحسب الأرقام الأحدث، ارتفع التمويل في القطاع إلى 23.6 مليار دولار خلال 2025، ثم قفز في الربع الأول من 2026 إلى 7.8 مليار دولار، وهو مستوى يعكس نمواً سنوياً بلغ 60%. هذه العودة لا تبدو مجرد ارتداد مؤقت، بل إشارة إلى أن المملكة المتحدة استعادت جزءاً مهماً من مكانتها داخل المنافسة العالمية على شركات الذكاء الاصطناعي.

من مرحلة التصحيح إلى موجة توسع جديدة

الهبوط الذي شهده السوق البريطاني في 2023 لم يُقرأ في ذلك الوقت كدليل على ضعف بنيوي دائم، بل كجزء من إعادة تسعير أوسع شهدتها أسواق التكنولوجيا العالمية. ومع تحسن الظروف الاستثمارية وعودة الاهتمام بالمجالات ذات القيمة التقنية العالية، تمكن القطاع من استعادة جزء من زخمه.

وتشير البيانات إلى أن التعافي لم يقتصر على حجم التمويل فقط، بل شمل أيضاً ثقة المستثمرين في قدرة الشركات البريطانية على بناء منتجات قابلة للتوسع عالمياً، خاصة في قطاعات النماذج اللغوية، والتوليد الصوتي، والصور، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتقنيات العميقة.

هذا التحسن مهم للشركات الناشئة التي تعتمد على جولات تمويل متتالية، لأنه يمنحها نافذة أوسع للوصول إلى رأس المال في مراحل النمو الحرجة، بعد فترة اتسمت بتشدد أكبر في تقييمات السوق.

قوة النظام التقني البريطاني تتجاوز الذكاء الاصطناعي

لا يظهر تحسن قطاع الذكاء الاصطناعي بمعزل عن المشهد التقني الأوسع في المملكة المتحدة. فالقيمة التقديرية للقطاع التقني البريطاني وصلت إلى 1.6 تريليون دولار، فيما تضم البيئة المحلية نحو 138 شركة تقنية ذات تقييم يتجاوز المليار دولار.

ومن اللافت أن الذكاء الاصطناعي والتقنية العميقة يمثلان قرابة الثلث من هذه الشركات، ما يعكس انتقالاً تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الخدمات التقنية التقليدية إلى منظومة أكثر تركيزاً على الابتكار العميق والمنتجات عالية التعقيد.

ويبرز ضمن هذه الفئة عدد من الشركات التي أصبحت من أبرز قصص النمو في السوق البريطانية، من بينها Eleven Labs التي بلغت قيمتها 11 مليار دولار، وSynthesia بقيمة 4 مليارات دولار، وPhysics X التي وصلت إلى 2.4 مليار دولار. هذه الأسماء تعكس اتساع قاعدة الابتكار المحلي وعدم اقتصاره على شركة أو قطاع واحد.

استراتيجية سيادة رقمية لدعم الشركات الناشئة

في موازاة الانتعاش الاستثماري، تتحرك الحكومة البريطانية ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية وتقليل الاعتماد الخارجي في المجالات الحيوية. وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة مسارات رئيسية:

  • تخصيص 1.1 مليار جنيه للحوسبة الوطنية وسلاسل إمداد الرقائق،
  • تخصيص مليار جنيه للحوسبة الكمومية،
  • تخصيص 500 مليون جنيه لصندوق ذكاء اصطناعي سيادي لدعم الشركات في مراحل النمو الحساسة.

هذه الخطوات تعكس إدراكاً متزايداً بأن القدرة التنافسية في الذكاء الاصطناعي لا تعتمد على البرمجيات وحدها، بل على توفر بنية تحتية متقدمة تشمل قدرات الحوسبة، والوصول إلى الرقائق، وتمويل الشركات في المراحل التي تتطلب رأس مال كبيراً قبل الوصول إلى الربحية.

كما أن الرهان على الحوسبة الكمومية يوضح أن لندن لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره سوقاً قائمة بذاتها فقط، بل جزءاً من بنية أوسع من التقنيات التي قد تحدد شكل الاقتصاد الرقمي في السنوات المقبلة.

استثمارات بنية تحتية تعزز موقع السوق

إلى جانب البرامج الحكومية المباشرة، يجري العمل على حزمة استثمارات في البنية التحتية تتجاوز 6 مليارات جنيه، بمشاركة شركات عالمية مثل AMD وNebius وAmazon. ويُتوقع أن تساعد هذه الاستثمارات على رفع القدرة الحاسوبية المتاحة للشركات، وتسهيل تطوير النماذج الكبرى، ودعم توسع منظومة الشركات الناشئة التي تحتاج إلى موارد تقنية كثيفة.

في قطاع الذكاء الاصطناعي، تمثل البنية التحتية عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن التمويل. فالشركات الناشئة قد تمتلك فرقاً بحثية قوية ومنتجات واعدة، لكنها تحتاج إلى طاقة حوسبة واستقرار في التكاليف وسلاسل توريد موثوقة كي تنقل أفكارها إلى سوق واسع.

ولهذا، فإن دخول أسماء عالمية في مشاريع الحوسبة والتخزين والخدمات السحابية يمنح السوق البريطانية ميزة إضافية، حتى وإن ظلت المنافسة مع الولايات المتحدة والصين شديدة على المستويات كافة.

التحديات التي قد تحد من سرعة التوسع

رغم الزخم الحالي، لا تزال أمام المملكة المتحدة عقبات واضحة. فالكثير من الشركات الناشئة البريطانية في الذكاء الاصطناعي تعتمد على رأس المال الأجنبي عند الانتقال إلى جولات التوسع الكبرى، ما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات الأسواق الدولية وتغير شهية المستثمرين العالميين.

كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة يظل عبئاً مهماً على أي شركة تعتمد على مراكز بيانات أو قدرات حوسبة كثيفة. وفي بيئة تتطلب تشغيل أنظمة متقدمة على مدار الساعة، تصبح فاتورة الطاقة جزءاً أساسياً من معادلة التوسع.

يضاف إلى ذلك جمود سوق العمل، الذي يحد أحياناً من قدرة الشركات على التوظيف السريع في مجالات الهندسة والبحث والتطوير وإدارة المنتجات. وهذه نقطة مؤثرة لأن الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي تتنافس عالمياً على المواهب النادرة، وليس فقط على التمويل.

هل تتحول المملكة المتحدة إلى منصة عالمية؟

السؤال الأهم اليوم لم يعد ما إذا كانت المملكة المتحدة قد تعافت من هزة 2023، بل ما إذا كان هذا التعافي كافياً لتحويلها من مركز أوروبي قوي إلى منصة عالمية منافسة للولايات المتحدة والصين.

الإجابة ترتبط بعدة عوامل متداخلة: استمرار تدفق التمويل، نجاح برامج السيادة الرقمية، قدرة السوق على خفض كلفة البنية التحتية، ومدى قدرة الشركات الناشئة على الاحتفاظ بالمواهب وتوسيع عملياتها من داخل البلاد بدلاً من البحث عن التمويل والنمو في أسواق أخرى.

البيانات الحالية تشير إلى أن المملكة المتحدة تمتلك أساساً قوياً: شركات ناشئة ذات قيمة مرتفعة، ومنظومة استثمارية عادت إلى النشاط، وسياسات عامة تستهدف دعم الحوسبة والرقائق والكم. لكن تحويل هذا الأساس إلى تفوق عالمي يحتاج إلى وقت واستمرارية، وليس إلى موجة تمويل واحدة فقط.

في المحصلة، تبدو منظومة الذكاء الاصطناعي البريطانية اليوم أكثر نضجاً مما كانت عليه قبل عامين. فهي لم تعد تدور فقط حول استعادة التمويل المفقود، بل حول بناء قدرة تنافسية أعمق تسمح لها بإنتاج شركات ناشئة كبيرة، وجذب استثمارات نوعية، وتثبيت موقعها في الخريطة العالمية للتقنيات المتقدمة.