14-Jul-2026 5 دقائق قراءة

شركة Belo الأرجنتينية توسّع خدماتها المالية الرقمية من العملات المشفرة إلى البرازيل

يروي مسار مانويل بيدرويت كيف تحولت خبرته في العملات المشفرة إلى شركة مالية ناشئة تجمع المدفوعات الرقمية وإدارة النفقات والتحويلات العابرة للحدود في منصة واحدة تستهدف العاملين عن بُعد والمستقلين في أميركا اللاتينية.

من العملات المشفرة المتخصصة إلى خدمة مالية يومية

على مدى سنوات، بقيت العملات المشفرة مجالاً محدوداً في أيدي المستخدمين الأكثر دراية بالتقنية والأسواق الرقمية. لكن مانويل بيدرويت، وهو رائد أعمال أرجنتيني شغوف بهذا القطاع، تعامل مع التشفير باعتباره أداة يمكن أن تتجاوز المضاربات وتدخل في الاستخدامات اليومية. هذا التحول في الرؤية قاده إلى بناء شركات ناشئة حاولت تقريب الأصول الرقمية من المستخدم العادي، لا من جمهور التقنية فقط.

تجربته لم تكن خطاً مستقيماً. فقد تنقل بين مراحل نمو وتباطؤ وصدمات متكررة عاشها قطاع التشفير خلال العقد الماضي. ومع الوقت، تشكلت لديه فلسفة عمل تقوم على الصبر والانضباط والقدرة على التكيف مع الدورات الاقتصادية، بدلاً من مطاردة الوعود السريعة أو الابتكار لمجرد الظهور.

ومن هذا المسار خرجت شركة Belo، التي تراهن اليوم على تقديم منصة مالية تجمع بين المحافظ الرقمية، واستقبال المدفوعات، وإدارة المصروفات، وبعض وظائف التشفير في تجربة واحدة تستهدف العاملين عن بُعد والمستقلين في أميركا اللاتينية.

بدايات متواضعة وانتقال غير متوقع إلى عالم البيتكوين

وُلد بيدرويت ونشأ في الأرجنتين، وبدأ مساره الأكاديمي في دراسة الأحياء قبل أن ينتقل إلى دراسة الأعمال. هذا التحول صاحبه فضول تقني ورثه من والده، ما دفعه إلى خوض أول تجربة ريادية عبر مشروع لبيع أقراص USB مخصصة. ورغم أن المشروع لم يستمر سوى ثلاث سنوات، فإنه ترك أثراً واضحاً في تكوينه المهني.

لاحقاً، عمل في شركة Accenture ضمن فريق التسويق الرقمي، وهناك تعرّف للمرة الأولى إلى البيتكوين. في البداية نظر إلى الفكرة بريبة، واعتقد أنها أقرب إلى مخطط احتيالي، لكنه قرر التعمق في التقنية وراءها. هذا الاكتشاف غيّر مساره بالكامل، ودفعه إلى التركيز بدوام كامل على العملات المشفرة.

خلال ثلاث سنوات فقط، أطلق مع شركائه منتجين مبكرين في السوق: منصة لتبادل العملات المشفرة بين الأفراد، وأحد أوائل منصات التداول في أميركا اللاتينية تحت اسم Bitex.la. ومع أربعة مؤسسين مشاركين، توسعت الشركة إلى تشيلي وباراغواي وأوروغواي، كما أصبحت أول شركة تربط مصرفاً بشبكة بيتكوين وتوفر مدفوعات عابرة للحدود بتكلفة أقل بكثير من التحويلات التقليدية.

من خدمة مجتمع التشفير إلى حل مشكلة مالية أوسع

رغم النجاح المتراكم، شعر بيدرويت أن المنتج الذي بناه ظل محصوراً داخل دائرة المهتمين بالعملات الرقمية. وبحلول عام 2020، وصل إلى قناعة بأن المهمة الأساسية لم تتحقق بعد: إيصال التشفير إلى المستخدمين العاديين، لا إلى المتخصصين فقط. عندها بدأ يفكر في مشروع جديد يقترب من مشكلات الحياة اليومية ويعالجها بشكل مباشر.

الشرارة العملية جاءت عندما كان يدرّس دورة إلكترونية عن العملات المشفرة، ثم اكتشف أثناء انتظار الدفعات المالية أن هناك فجوة كبيرة بين آليات الدفع الدولية واحتياجات المستخدمين في أميركا اللاتينية. استطاع لاحقاً أن يتلقى أجره عبر العملات الرقمية، لكن بقيت مشكلة استخدام هذه الأموال في المدفوعات المحلية قائمة، وهي مشكلة يواجهها كثير من العاملين مع شركات خارج بلدانهم.

هنا وُلدت فكرة Belo: منصة تسمح باستقبال الأموال من الخارج من دون رسوم مرهقة، واستخدامها في شراء السلع والخدمات اليومية، مع دمج إدارة المدفوعات والرصيد والتحويلات داخل واجهة واحدة. كانت هناك حلول منفصلة لكل جزء من هذه المهمة، لكن السوق لم يكن يضم منصة موحدة تجمع هذه الوظائف في مكان واحد، خصوصاً في منطقة تشهد نمواً اقتصادياً وتوسعاً واضحاً في العمل الرقمي.

استهدفت الشركة بشكل خاص فئة العاملين عن بُعد والمستقلين الذين يقدمون خدماتهم لشركات أجنبية. بالنسبة لهؤلاء، تمثل التحويلات الدولية والرسوم وتعدد الحسابات والمزودين الماليين عائقاً يومياً. ومن هنا جاءت فكرة بناء منتج يختصر هذه التعقيدات في تجربة واحدة أكثر بساطة ومرونة.

تمويل ونمو تدريجي في سوق يزداد تعقيداً

تطورت Belo لتصبح مزيجاً من الخدمات المالية التي تشمل الادخار بالعملات الرقمية، ودفع الفواتير، واستقبال الأموال بالدولار واليورو، إلى جانب وظائف أخرى مرتبطة بالاستخدام اليومي. هذا التوسع لم يكن سهلاً، لكنه جذب اهتمام المستثمرين، إذ جمعت الشركة تمويلاً بلغ 4.2 مليون دولار من أكثر من سبع شركات رأس مال مخاطر.

يشرح بيدرويت أن بناء المنتج تم بطريقة تراكمية: البدء بنطاق صغير، ثم تحسين الخدمة خطوة بعد خطوة حتى الوصول إلى حل يجيب عن معظم المشكلات التي يواجهها المستخدم عند تلقي الأموال من الخارج أو استخدام العملات المشفرة في حياته اليومية. هذه المقاربة، برأيه، كانت أكثر فاعلية من محاولة إطلاق منتج ضخم منذ اليوم الأول.

وفي قطاع شديد التقلب مثل التشفير، يرى أن البقاء مرتبط بقدرة المؤسس على فهم الطبيعة الدورية للأسواق. فقد مر القطاع، بحسب تجربته، بمراحل صعود حاد ثم انكماش وقلق، وهي دورة لا تنفصل عن تطور التكنولوجيا نفسها. لذلك يعتبر أن المطلوب ليس الاندفاع خلف كل موجة، بل بناء منتجات ذات قيمة طويلة الأمد.

ويربط بين ما حدث في التشفير وما يراه اليوم في موجة الذكاء الاصطناعي، حيث يندفع كثيرون نحو التقنية بحثاً عن الربح السريع، بينما تبقى القيمة الحقيقية في الحلول التي تلبّي حاجة حقيقية ومستدامة. بالنسبة له، التركيز على منتج واحد وتطويره بعمق أهم من محاولة ملاحقة كل فرصة لامعة لكنها قصيرة العمر.

القدرة على قول لا وتحديد المشكلة بدقة

أحد الدروس الأساسية التي خرج بها بيدرويت من تجربته هو أهمية معرفة متى يرفض المؤسس فرصة تبدو مغرية لكنها لا تخدم المنتج الأساسي. في نظره، بناء شركة قوية يتطلب وضوحاً صارماً بشأن ثلاثة أسئلة: من هو المستخدم؟ ولماذا يحتاج هذا المنتج؟ وما حجم المشكلة التي يُفترض أن يحلها؟

إذا كانت الإجابات واضحة، تصبح أولويات التطوير أسهل بكثير. عندها لا يعود التحدي في كثرة الأفكار، بل في ترتيبها وتنفيذ الأهم منها أولاً. هذه المقاربة ساعدت Belo على الانتقال من مجرد فكرة إلى منصة تتوسع بشكل منهجي، بدلاً من التشتت في اتجاهات متعددة.

كما أن التعامل الطويل مع الصعود والهبوط في قطاع شديد الحساسية جعل المؤسس أكثر صلابة. هذه الصلابة لم تأتِ من تجاهل المخاطر، بل من فهمها وتوقعها، ومن الاستعداد لزمن يتغير فيه المزاج العام للسوق بسرعة كبيرة.

البرازيل كوجهة التوسع التالية

بعد الحضور في 20 دولة في أميركا اللاتينية في مجال المعاملات، تتجه Belo الآن إلى تعزيز خدماتها الأكثر شمولاً في السوق البرازيلية، بعد تثبيت حضورها في الأرجنتين. وتشمل هذه الخدمات دفع الفواتير، وبطاقات الخصم المرتبطة بشبكة Mastercard، والسحب النقدي عبر العملات المشفرة.

تُعد البرازيل سوقاً ضخماً في قطاع التكنولوجيا المالية، كما تضم نسبة كبيرة من العاملين المستقلين في المنطقة. وتشير تقديرات الشركة إلى أن الفرصة السوقية هناك تصل إلى 210 ملايين دولار، ما يجعل السوق جذابة للغاية، ولكنها في الوقت نفسه تنافسية وتتطلب معايير عالية منذ البداية.

بدأت الشركة التحضير لهذا التوسع عبر المشاركة في فعاليات متخصصة مثل Web Summit Rio، كما كانت لها خطوة تقنية مهمة تمثلت في الربط مع Pix، نظام المدفوعات الفورية الأشهر في البرازيل. هذا التكامل يسمح لحسابات Belo بإرسال واستقبال المدفوعات من وإلى البرازيل، وهو ما يمثل أساساً عملياً لأي توسع أعمق في السوق.

يرى بيدرويت أن البرازيل تقدم فرصة كبيرة، لكن الدخول إليها لا يحتمل الأخطاء الأولى. فالمستخدمون هناك أكثر تطلباً، والمنافسة أعلى، ما يجعل بناء الثقة جزءاً أساسياً من استراتيجية النمو. ولذلك تعتمد Belo على التوسع المتدرج، وعلى فهم احتياجات السوق قبل إطلاق خدمات أوسع.

دروس من شركة ناشئة تحاول حل مشكلة مالية يومية

تكشف تجربة Belo أن كثيراً من الشركات الناشئة الناجحة في أميركا اللاتينية لا تبدأ من فكرة ضخمة، بل من مشكلة يومية ملموسة. ففي هذه الحالة، انطلقت الشركة من معاناة شخصية مرتبطة باستقبال الأموال من الخارج واستخدامها محلياً، ثم تحولت إلى منصة تستهدف شريحة واسعة من المستخدمين الذين يواجهون التحدي نفسه.

كما تُظهر التجربة أن النمو في قطاع الفينتك لا يعتمد فقط على التقنية، بل على فهم السلوك المالي للمستخدم، وبناء منتج بسيط في الشكل لكنه عميق في الوظيفة. وبينما تستعد Belo لمرحلة أكثر تنافسية في البرازيل، يبقى رهانها الأساسي هو توسيع قيمة المنتج من دون فقدان وضوحه.

في النهاية، تبدو قصة بيدرويت مثالاً على كيفية تحويل الاهتمام المبكر بتقنية جديدة إلى مشروع مالي عملي، ثم إلى شركة ناشئة تتقدم عبر التكرار، والمرونة، والالتزام بحل مشكلة محددة بوضوح في سوق متغير باستمرار.