16-Jul-2026 6 دقائق قراءة

في كأس العالم 2026: أين تقف المنتخبات العربية في سباق التأهل والعبور؟

تشهد نسخة 2026 من كأس العالم حضوراً عربياً غير مسبوق مع تأهل ثمانية منتخبات في رقم قياسي جديد، فيما تتباين حظوظها بين فرق ضمنت العبور وأخرى ما زالت تقاتل في الجولات الأخيرة.

دخلت المنتخبات العربية كأس العالم 2026 بأرقام غير مسبوقة، بعدما نجح ثمانية منتخبات في بلوغ النهائيات لأول مرة في تاريخ البطولة بهذا العدد من المنطقة نفسها. ويعكس هذا الحضور المتنامي تحولات في بنية التصفيات، وفي مستوى الاستثمار الفني والمؤسسي في عدد من الاتحادات الوطنية، إلى جانب اتساع مقاعد القارات بعد زيادة عدد المنتخبات المشاركة في النهائيات.

لكن المشهد العربي في البطولة لا يتشابه من منتخب إلى آخر. فبينما يواصل المغرب ومصر مشوارهما بثبات نحو الأدوار الإقصائية، تقف الجزائر والسعودية والعراق عند منعطف حاسم، في حين ودعت تونس وقطر والاردن المنافسات مبكراً رغم اختلاف السياقات والنتائج.

رقم قياسي عربي يرتبط بتوسيع البطولة

يُعد بلوغ ثمانية منتخبات عربية نسخة واحدة من كأس العالم تطوراً لافتاً مقارنة بالنسخ السابقة. ففي روسيا 2018 وقطر 2022 كان العدد العربي الإجمالي أقل بكثير، أما قبل ذلك بسنوات طويلة فكان الوجود العربي في المونديال محدوداً إلى درجة أن الجزائر كانت الممثل العربي الوحيد في نسختي 2010 و2014. ويأتي هذا التغير في جزء كبير منه نتيجة توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخباً، وهو ما منح آسيا وأفريقيا فرصاً إضافية للتمثيل.

ولا يقف الحضور العربي عند حدود التأهل فحسب، بل يمتد أيضاً إلى استضافة البطولة. فقد استضافت قطر نسخة 2022، فيما ستستضيف المغرب نسخة 2030 بالشراكة، على أن تنظم السعودية نسخة 2034، وهو ما يعزز موقع المنطقة كأحد المراكز المؤثرة في مستقبل اللعبة عالمياً.

المغرب يواصل بناء صورة منتخب تنافسي

يظل المغرب الفريق العربي الأكثر حضوراً داخل البطولة من حيث التوقعات والنتائج. المنتخب المصنف الخامس عالمياً دخل المنافسات بوصفه أحد أبرز ممثلي المنطقة، وافتتح مشواره بتعادل مهم أمام البرازيل بطلة العالم خمس مرات، في مباراة عكست قدرة الفريق على التعامل مع الضغوط والنسق العالي.

ثم واصل المنتخب المغربي عروضه القوية بانتصار على اسكتلندا ثم فوز آخر على هايتي، ليحصد سبع نقاط في دور المجموعات ويضمن العبور إلى الأدوار التالية. ويأتي هذا الاستقرار امتداداً لما حققه الفريق في بطولة 2022 عندما بلغ الدور نصف النهائي، وهو إنجاز غيّر نظرة الجمهور العربي والأفريقي إلى سقف الطموح الممكن في بطولات النخبة.

كما أظهرت مشاركة بعض الأسماء الشابة أن المغرب يستفيد من قاعدة واسعة من اللاعبين المرتبطين بأكاديميات أوروبية، مع قدرة واضحة على دمج المهارة بالانضباط التكتيكي. هذا النموذج جعل المنتخب المغربي أقرب إلى مشروع طويل الأمد منه إلى مشاركة عابرة.

مصر تحقق أول فوز مونديالي في تاريخها

بالنسبة إلى مصر، حملت نسخة 2026 حدثاً تاريخياً طال انتظاره. المنتخب المصري بدأ مشواره بتعادل مع بلجيكا، قبل أن يقلب تأخره أمام نيوزيلندا إلى فوز 3-1، ليحقق أول انتصار له في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، بعد انتظار امتد لعقود منذ ظهوره الأول عام 1934.

ويحمل هذا الفوز قيمة مضاعفة لأنه لم يأتِ بوصفه نتيجة معزولة، بل جاء في سياق أداء متصاعد وضع المنتخب على رأس مجموعته قبل مواجهة مفصلية أمام إيران. ويكفيه التعادل لحسم التأهل إلى الدور التالي، ما يمنحه أفضلية نسبية قبل الجولة الأخيرة.

يمثل هذا الإنجاز لحظة فارقة لكرة القدم المصرية، لا فقط من زاوية الأرقام، بل من حيث إنهاء حالة من الإحباط الملازمة لتاريخ المنتخب في المونديال. كما يعيد إلى الواجهة اسم محمد صلاح بوصفه رمزاً لمرحلة يريد فيها المنتخب المصري تحويل الحضور الشرفي إلى مشاركة تنافسية حقيقية.

الجزائر والسعودية والعراق في سباق لا يحتمل الأخطاء

تعيش الجزائر وضعاً معقداً بعد خسارتها الافتتاحية أمام الأرجنتين، ثم استعادتها بعض التوازن بفوز صعب على الأردن. وتحتاج الجزائر إلى نتيجة حاسمة أمام النمسا لتبقى في سباق التأهل أو على الأقل تعزز حظوظها ضمن حسابات أفضل الثوالث. ويعود حضورها في هذه النسخة بعد غياب عن نسختي 2018 و2022، ما يجعل أي تقدم إضافي ذا قيمة معنوية كبيرة.

أما السعودية، فقد بدأت مشوارها بتعادل مع الأوروغواي قبل خسارة ثقيلة أمام إسبانيا، لتصبح بحاجة إلى نتيجة إيجابية ضد الرأس الأخضر. ويأتي هذا المسار في ظل اهتمام متزايد بكرة القدم داخل المملكة، سواء عبر الاستثمار في البنية التحتية والبطولات المحلية أو في إطار التحضير لاستضافة كأس العالم 2034، ما يرفع سقف التوقعات على المنتخب أكثر من أي وقت مضى.

وفي الحالة العراقية، تبدو المهمة أصعب من غيرها. فالفريق خسر أمام النرويج وفرنسا، ويحتل قاع مجموعته بفارق أهداف سلبي كبير، ما يفرض عليه الفوز بنتيجة واسعة على السنغال إذا أراد الإبقاء على آماله في الوصول إلى دور الـ16 عبر بوابة أفضل الثوالث. ومع أن النتائج لم تخدمه، فإن عودة العراق إلى المونديال بعد غياب دام أربعين عاماً تبقى حدثاً احتفالياً في حد ذاته بالنسبة إلى جماهيره.

تونس وقطر والأردن: خروجات مختلفة المعنى

على الجانب الآخر، خرجت تونس من البطولة دون أي نقطة، بعد ثلاث هزائم متتالية أمام السويد واليابان وهولندا. ومع ذلك، لا يُقرأ ظهورها فقط من زاوية النتائج، إذ إن بلوغ المونديال ثلاث مرات متتالية يعكس نوعاً من الثبات الذي تفتقده منتخبات عربية أخرى في مساراتها الطويلة.

أما قطر، فقد انتهت مشاركتها الثانية على نحو مشابه للأولى، بخروج من دور المجموعات، لكنها حققت نقطة أولى في تاريخها المونديالي عبر التعادل مع سويسرا. وبالنسبة إلى كرة القدم القطرية، فإن مجرد الظهور المتكرر على هذا المستوى، بعد استضافة البطولة قبل أربع سنوات، يظل جزءاً من مشروع تراكمي أوسع.

الأردن قدّم قصة مختلفة، إذ شارك للمرة الأولى في تاريخه، وهي مشاركة تكفي وحدها لاعتبارها محطة تأسيسية للجيل القادم. ورغم الخسارتين أمام النمسا والجزائر، فإن الوصول إلى النهائيات وضع الكرة الأردنية على خريطة جديدة، ومنحها نقطة انطلاق مختلفة في التخطيط للمستقبل.

ما الذي تعنيه هذه النسخة لكرة القدم العربية؟

تكشف نسخة 2026 أن الحضور العربي لم يعد استثناءً نادراً في كأس العالم، بل بات جزءاً ثابتاً من المشهد الدولي. صحيح أن مستويات المنتخبات العربية لا تزال متفاوتة، وأن بعض الفرق تواجه صعوبة في مجاراة القوى الكبرى، لكن وصول هذا العدد إلى النهائيات يعبّر عن تغير في موازين التمثيل، وفي قدرة المنطقة على إنتاج فرق أكثر جاهزية للمنافسة.

الأهم من ذلك أن البطولة لم تعد مناسبة عربية استثنائية لمرة واحدة، كما حدث في قطر 2022، بل صارت مساحة متكررة لقياس تقدم منتخبات المنطقة. وبينما لا تزال بعض الاتحادات تبحث عن الاستقرار الفني، تظهر منتخبات مثل المغرب ومصر بوصفها نماذج لما يمكن أن يحدث حين يتقاطع التنظيم مع التخطيط والجيل المناسب.

في المحصلة، تقدم كأس العالم 2026 صورة معقدة ولكنها لافتة لكرة القدم العربية: حضور قياسي، قصص تاريخية، إخفاقات لا تخلو من الدروس، وفرصة متنامية لترسيخ موقع المنطقة في اللعبة الأكثر شعبية في العالم.