تتحرك مايكروسوفت بخطى أسرع داخل سوق الذكاء الاصطناعي في الصين، مستفيدة من الطلب المرتفع لدى الشركات المحلية على الحوسبة السحابية والنماذج المتقدمة، وعلى رأسها النماذج المرتبطة بـ OpenAI. ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه الحساسية السياسية والتجارية بين واشنطن وبكين، ما يجعل هذا التوسع ملفاً لافتاً في قطاع الشركات الناشئة والتقنيات الحديثة.
ورغم القيود المتزايدة التي تحيط بتبادل التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين، تمكنت مايكروسوفت من بناء حضور تجاري مؤثر عبر منصتها Azure، التي تستخدمها مؤسسات صينية كبرى لتطوير تطبيقات ومنتجات قائمة على الذكاء الاصطناعي. وتظهر البيانات المنقولة عن مصادر مطلعة أن هذا النشاط لم يعد هامشياً، بل بات يمثل قناة نمو مهمة للشركة في واحدة من أكثر الأسواق تعقيداً في العالم.
ByteDance في صدارة العملاء
تشير المعلومات المتداولة إلى أن ByteDance، المالكة لتطبيق تيك توك، أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكبر عميل لمايكروسوفت في خدمات الذكاء الاصطناعي. وتوقعات الإنفاق السنوي لهذه الشركة على خدمات مايكروسوفت قد تتجاوز حاجز مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد المتنامي على البنية السحابية والنماذج الذكية في تطوير المنتجات الرقمية.
ولا تقتصر قائمة العملاء على ByteDance فقط، إذ تضم أيضاً شركات بارزة مثل Ant Group وMeituan وTencent. وتعتمد هذه الشركات على خدمات Azure في استثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها، سواء لخدمة المستخدمين في السوق المحلي أو لتوسيع أعمالها خارج الصين.
هذا النوع من الطلب يرتبط مباشرة بتغير أولويات الشركات التقنية الصينية، التي تسعى إلى بناء قدرات مستقلة في الذكاء الاصطناعي أو استخدام النماذج المتقدمة لتسريع الابتكار وخفض تكاليف التطوير. وفي هذا السياق، توفر مايكروسوفت مزيجاً يجمع بين الحوسبة السحابية والوصول إلى نماذج متقدمة، ما يمنحها موقعاً تنافسياً رغم شدة القيود.
نمو سريع رغم صغر الحصة الكلية
بحسب تصريحات براد سميث، رئيس مايكروسوفت، لا تزال الصين تمثل نحو 1.5% فقط من إجمالي إيرادات الشركة. لكن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة زخم النشاط داخل سوق الذكاء الاصطناعي، إذ تشير التسريبات المرتبطة باجتماع داخلي إلى أن إيرادات Azure المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الصين نمت بنحو ثلاثة أضعاف خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025.
وكانت السنة السابقة قد سجلت بالفعل نمواً كبيراً وصل إلى 400%، ما يعني أن المسار التصاعدي لم يكن مؤقتاً أو محدوداً. وبهذا المعنى، تبدو الصين بالنسبة لمايكروسوفت سوقاً صغيرة في الحجم الإجمالي، لكنها شديدة الأهمية من حيث سرعة التوسع وفرص الاختبار التجاري للتقنيات الجديدة.
بالنسبة لشركات ناشئة أو مؤسسات تقنية تعمل في هذا القطاع، يوضح هذا المثال كيف يمكن للسحابة والذكاء الاصطناعي أن يتحولا إلى مصدر إيرادات متسارع حتى في أسواق تخضع لتدقيق سياسي وتنظيمي مشدد. كما يظهر أن العملاء الكبار في الصين لا يزالون يبحثون عن أدوات خارجية متقدمة، رغم اتجاههم في الوقت نفسه إلى بناء نماذجهم الخاصة.
قيود أمريكية ومخاوف من انتقال المعرفة
توسع مايكروسوفت في الصين يحدث وسط نقاش حاد داخل الولايات المتحدة حول مستقبل المنافسة في الذكاء الاصطناعي. فبينما تنظر جهات أمريكية إلى القدرات الصينية باعتبارها تهديداً استراتيجياً، تثار مخاوف متكررة من إساءة استخدام النماذج المتقدمة أو تسرب المعرفة التقنية إلى أطراف محلية قادرة على تطوير بدائل منافسة.
لهذا السبب، تمتنع شركات مثل OpenAI وAnthropic عن بيع تقنياتها إلى جهات صينية بشكل مباشر. وفي المقابل، تتيح مايكروسوفت قدراً من الوصول إلى نماذج مثل GPT وفق سياسات تشغيل خاصة بها، ما يمنحها مجالاً أوسع للمناورة التجارية، لكنه يضعها أيضاً تحت مجهر المراقبة في الولايات المتحدة.
وتشير التقارير إلى أن OpenAI أبدت في أوقات سابقة مخاوفها من احتمال استفادة شركات صينية من النماذج الأمريكية بطرق غير مباشرة، بما في ذلك ما يعرف بتقنية “التقطير”، أي استخدام المخرجات أو السلوك العام لنموذج متقدم لتدريب نموذج محلي أقل حجماً. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن تغييرات واضحة في نهج مايكروسوفت تجاه هذه المسألة.
كيف تدير مايكروسوفت وجودها داخل الصين
للتعامل مع المتطلبات التنظيمية المحلية، تعتمد مايكروسوفت على شبكة من الشراكات مع مزودين صينيين، كما تدير عدة مناطق بيانات قرب بكين وشنغهاي. لكن الجزء الحساس من تشغيل النماذج لا يجري داخل الصين بالكامل، إذ تبقي الشركة النماذج في مراكز بيانات خارج البلاد لحماية الملكية الفكرية.
وبحسب هذا النموذج، يصل العملاء إلى النماذج عبر الإنترنت من خوادم خارجية، من بينها مواقع في سنغافورة. ويمنح هذا الترتيب مايكروسوفت قدرة على الاستجابة للوائح المحلية من جهة، وعلى الحفاظ على سيطرتها التقنية من جهة أخرى.
وفي الوقت نفسه، لا تفرض الشركة، وفق المصادر، مستويات رقابة أكثر صرامة على الشركات الصينية مقارنة بغيرها من العملاء. لكن ذلك لا يلغي احتمال استخدام خدماتها كوسيلة غير مباشرة لتطوير منتجات محلية منافسة، وهو ما تعترف به الشركة ضمنياً باعتباره تحدياً يصعب ضبطه بالكامل.
توازن دقيق بين النمو والمخاطر
تكشف هذه الحالة عن معادلة دقيقة تواجهها شركات التكنولوجيا العالمية العاملة في أسواق ناشئة أو شديدة التنظيم: ففرص النمو قد تكون كبيرة، لكن المخاطر المتعلقة بالسياسة والملكية الفكرية وسلاسل التوريد لا تقل أهمية. ومايكروسوفت تبدو اليوم في قلب هذا التوازن، إذ تستفيد من الطلب الصيني على الذكاء الاصطناعي، مع محاولة الحد من التبعات القانونية والاستراتيجية.
كما أن سلوك العملاء الصينيين أنفسهم يشير إلى مشهد أكثر تعقيداً؛ فهم يستخدمون تقنيات أجنبية متقدمة لتسريع التطوير، لكنهم في الوقت نفسه يبنون نماذجهم الخاصة، مثلما تفعل Ant Group وByteDance في مشاريع الذكاء الاصطناعي الداخلية. وهذا يعني أن العلاقة بين الطرفين ليست مجرد استهلاك تقني، بل جزء من سباق أوسع على بناء الجيل المقبل من البنية الذكية.
في المحصلة، يعكس توسع مايكروسوفت في الصين كيف يمكن للشركات الكبرى أن تجد فرصاً في أكثر البيئات تناقضاً، حيث يلتقي النمو السريع مع القيود السياسية، وتلتقي الحاجة إلى الابتكار مع القلق من فقدان السيطرة على التكنولوجيا.