16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

دراسة: الشركات الناشئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تميل إلى فرق أصغر وتركيز أكبر على الخبرات المتخصصة

دراسة جديدة أجراها باحثون من هارفارد للأعمال وINSEAD تشير إلى أن الشركات الناشئة التي تجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من نموذجها التشغيلي تميل إلى بناء فرق أصغر، وتوظيف عدد أكبر من المهندسين، وتقليص الاعتماد على الخريجين الجدد والمديرين مقارنةً بالشركات التقليدية.

تكشف دراسة حديثة أن صعود الشركات الناشئة التي تبني الذكاء الاصطناعي في قلب أعمالها لا يغيّر المنتجات فقط، بل يبدّل أيضاً شكل فرق العمل داخلها. فهذه الشركات تميل إلى تشغيل عدد أقل من الموظفين، وتمنح وزناً أكبر للمهارات التقنية المتقدمة، بينما تتراجع فيها وظائف المبتدئين والخريجين الجدد مقارنةً بالشركات الناشئة التقليدية.

وبحسب الدراسة التي أعدها باحثون من كلية هارفارد للأعمال ومعهد INSEAD، فإن الصورة الجديدة لسوق التوظيف في هذا القطاع ظهرت بوضوح عند تحليل شركات مرتبطة بحاضنة Y Combinator بين عامي 2020 و2024، إلى جانب مجموعة واسعة من الشركات الناشئة الأمريكية المدعومة استثمارياً.

فرق أصغر وبنية تنظيمية أكثر تركيزاً

تشير النتائج إلى أن ما وصفه الباحثون بـ"شركات الذكاء الاصطناعي الأصيلة" يعمل بطريقة مختلفة عن معظم الشركات الناشئة الأخرى. فهذه الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط كميزة داخل المنتج، بل أيضاً كأداة تشغيلية داخلية تساعد في البرمجة والتصميم والتنسيق بين الفرق، ما يحد من الحاجة إلى توسع كبير في عدد الموظفين.

وتوضح الدراسة أن هذه الشركات أصغر حجماً بنسبة 25% تقريباً من نظيراتها غير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بصورة جوهرية. كما أن نسبة المهندسين لديها أعلى بنحو 13%، في حين تنخفض نسبة العاملين من حديثي التخرج والمديرين بنحو 15% لكل فئة.

هذا التحول لا يعكس فقط كفاءة تشغيلية أعلى، بل يشير أيضاً إلى أن الشركات الناشئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تبني هيكلها البشري حول عدد محدود من الأدوار عالية القيمة، بدلاً من الاعتماد على فرق موسعة ومتعددة المستويات كما كان شائعاً في المراحل السابقة من نمو الشركات الرقمية.

الخبرة التقنية تتقدم على الوظائف الأولى

أحد أبرز ما خرجت به الدراسة هو أن بوابة الدخول إلى هذه الشركات أصبحت أكثر ضيقاً أمام الخريجين الجدد. فبدلاً من التوسع في استقطاب المواهب في بدايات حياتها المهنية، تميل هذه الشركات إلى توظيف مرشحين يملكون خبرة عملية واضحة ومهارات تقنية متخصصة، مع تفضيل أكبر لخريجي الجامعات المرموقة.

ويعني ذلك أن سوق العمل داخل الشركات الناشئة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي لا يتصرف بوصفه مساراً واسعاً لتدريب المواهب الصاعدة، بل كبيئة تتطلب جاهزية عالية منذ اليوم الأول. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على التعامل مع الأدوات المتقدمة، وفهم البنية التقنية، وإنتاج العمل بسرعة أكبر، عوامل حاسمة في قرارات التوظيف.

كما تبرز الدراسة أن هذه الشركات توظف الذكاء الاصطناعي نفسه كوسيلة لرفع إنتاجية العاملين الحاليين، ما يقلل الحاجة إلى استيعاب أعداد كبيرة من الموظفين الجدد. وبدلاً من تضخيم الفريق، يجري توسيع قدرات الفريق نفسه عبر الأتمتة والتسريع البرمجي والتحسين المتواصل في سير العمل.

تأثير أوسع على سوق العمل في الشركات الناشئة

النتائج تحمل دلالة مهمة لقطاع الشركات الناشئة ككل. فمع تزايد اعتماد المؤسسين على أدوات الذكاء الاصطناعي، قد تتشكل معايير جديدة للتوظيف تقوم على الكفاءة المتقدمة أكثر من عدد الموظفين أو تنوع المستويات الوظيفية. وهذا التحول قد ينعكس على كيفية بناء الشركات منذ مرحلة التأسيس وحتى جولات النمو اللاحقة.

وتحذر الدراسة من أن تسارع التعلم داخل بيئة العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد يفيد من يملكون خبرة سابقة في استخدام هذه الأدوات، أكثر من أولئك الذين يحاولون دخول السوق من نقطة الصفر. وبهذا المعنى، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب على اتساعه أمام الجميع، بل قد يزيد من تركّز الفرص لدى النخب التقنية والقوى العاملة الأكثر تخصصاً.

كما ينعكس هذا التوجه على مسار المؤسسين أنفسهم، إذ قد تصبح القدرة على بناء شركة صغيرة وفعالة شرطاً أساسياً للمنافسة في بعض المجالات، خصوصاً في القطاعات التي يمكن فيها للذكاء الاصطناعي أن يحل محل أجزاء كاملة من العمل البشري أو يدعمها بشكل كبير.

ماذا يعني ذلك للمؤسسين والباحثين عن عمل؟

بالنسبة إلى المؤسسين، تشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة إضافية، بل عنصر يغيّر بنية الشركة من الداخل. فاختيار الاعتماد عليه منذ البداية قد يقود إلى فرق أصغر، وتوزيع مختلف للأدوار، وإعادة تعريف لما يحتاجه المشروع فعلاً من مهارات بشرية.

أما بالنسبة إلى الباحثين عن عمل، خاصة حديثي التخرج، فإن الرسالة واضحة: الشركات الناشئة الأكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي لا تمنح بالضرورة الفرصة نفسها التي كانت تمنحها شركات النمو التقليدية. وبدلاً من المسارات التدريبية الواسعة، أصبح التركيز أكثر على الخبرة السابقة والقدرة على الإنجاز السريع داخل بيئة تقنية عالية الإيقاع.

وفي المحصلة، ترسم الدراسة ملامح مرحلة جديدة في ريادة الأعمال، حيث لا تقاس قوة الشركة الناشئة بعدد موظفيها بقدر ما تقاس بقدرتها على تشغيل فريق صغير يمتلك خبرة عالية ويستفيد بفعالية من أدوات الذكاء الاصطناعي.