نمو ملحوظ في أصول الخليج المدارة
سجلت الأصول المدارة في دول مجلس التعاون الخليجي نمواً واضحاً خلال عام 2025، إذ ارتفعت بنسبة 10% لتصل إلى 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا الأداء استمرار توسع الصناعة المالية في المنطقة، إلى جانب زيادة الاهتمام من جانب المستثمرين الأفراد والجهات المؤسسية على حد سواء.
وجاء هذا التطور في وقت يشهد فيه قطاع إدارة الأصول تحولات أعمق من مجرد ارتفاع في الأرقام، إذ تتغير قواعد المنافسة بسرعة بفعل التحول الرقمي، وتوسع المنصات الاستثمارية، وتزايد الاعتماد على الأدوات التقنية في تحليل الأسواق وتوزيع المنتجات المالية.
وبحسب تقديرات التقرير، فإن نمو القطاع لا يرتبط فقط بزيادة حجم الأموال المُدارة، بل أيضاً بتغير طبيعة الطلب على المنتجات الاستثمارية، خصوصاً مع دخول شرائح جديدة من المستثمرين إلى السوق الخليجية.
المستثمرون الأفراد يوسعون حصتهم
أحد أبرز محركات هذا النمو كان الارتفاع المستمر في مشاركة المستثمرين الأفراد. فقد نمت أصول هذه الفئة بنسبة 14% خلال العام الماضي، لتصل إلى نحو 7% من إجمالي الأصول المدارة في الخليج. وعلى الرغم من أن المؤسسات ما زالت تستحوذ على الحصة الأكبر، فإن وتيرة نمو الأفراد تشير إلى اتساع قاعدة المشاركة الاستثمارية في المنطقة.
ويُفهم من هذا التحول أن المستثمر الخليجي بات أكثر استعداداً لاستخدام المنتجات المالية المنظمة مثل الصناديق المشتركة وصناديق المؤشرات المتداولة، مدعوماً بتطور التطبيقات الرقمية والمنصات التي تقلل عوائق الدخول إلى السوق.
كما أن هذا التوسع يمنح شركات إدارة الأصول فرصة لإعادة تصميم منتجاتها بما يتناسب مع احتياجات شريحة أوسع وأكثر تنوعاً من العملاء، من المستثمرين الجدد إلى ذوي الخبرة الذين يبحثون عن أدوات أكثر مرونة.
السعودية تحافظ على موقعها القيادي
أكد التقرير أن السعودية ما تزال السوق الأكبر في دول الخليج من حيث صناديق الاستثمار المشتركة وصناديق المؤشرات المتداولة الموجهة للأفراد، متقدمة على الإمارات والكويت. ويعكس ذلك عمق السوق السعودية، واتساع قاعدة المستثمرين، وتطور البنية التنظيمية والمالية التي تدعم هذا القطاع.
كما احتفظت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد في المملكة بموقعيهما ضمن أكبر صناديق التقاعد في المنطقة، وهو ما يعزز مكانة السعودية ليس فقط في جانب الاستثمار الفردي، بل أيضاً في جانب الأصول المؤسسية طويلة الأجل.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن السوق السعودية أصبحت نقطة ارتكاز رئيسية في صناعة إدارة الأصول الخليجية، سواء من حيث الحجم أو من حيث التأثير على اتجاهات النمو الإقليمي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المنافسة
لفت التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً حاسماً في إعادة رسم خريطة المنافسة داخل صناعة إدارة الأصول. فالشركات لم تعد تتنافس فقط على الأداء الاستثماري، بل أيضاً على قدرتها على استخدام التكنولوجيا لتحسين الكفاءة، وتقليص التكاليف، وتوسيع نطاق الخدمة.
وتتوقع BCG أن تتمكن شركات إدارة الأصول حول العالم من خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تتراوح بين 25% و35% خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مع رفع مستوى التغطية البحثية وتحسين إنتاجية فرق علاقات المستثمرين. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يبقى مجرد أداة مساعدة، بل سيصبح جزءاً من البنية التشغيلية الأساسية للشركات.
وبالنسبة للأسواق الخليجية، فإن تبني هذه الأدوات قد يسرّع من نمو الشركات المحلية والإقليمية، خصوصاً تلك التي تسعى إلى خدمة قاعدة أكبر من العملاء دون زيادة موازية في التكاليف أو عدد الموظفين.
قنوات التوزيع تتحول إلى عنصر تنافسي رئيسي
يرى التقرير أن قوة التوزيع باتت لا تقل أهمية عن جودة المنتج الاستثماري نفسه. فامتلاك شركة إدارة أصول لمنصات رقمية فعالة، أو شبكة من المستشارين الماليين، أو علاقات مؤسسية قوية، أصبح من العوامل الأساسية لتعزيز الحصة السوقية.
هذا التحول يعني أن المنافسة في القطاع انتقلت من مرحلة التركيز على إطلاق المنتجات إلى مرحلة أوسع تتعلق بكيفية الوصول إلى المستثمرين وإقناعهم بالاختيار. وفي بيئة شديدة التنافسية، قد تكون القدرة على التوزيع هي الفارق بين شركة تنمو بسرعة وأخرى تبقى عند حدودها الحالية.
كما أن هذا الاتجاه يفتح المجال أمام شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية لتقديم حلول داعمة لإدارة الأصول، سواء عبر تحسين تجربة المستخدم أو تطوير أدوات البيع الرقمي أو أتمتة التفاعل مع العملاء.
ترميز الأصول يفتح مرحلة جديدة
من بين الاتجاهات التي سلط التقرير الضوء عليها، يبرز ترميز الأصول كأحد التحولات التي قد تغير شكل أسواق المال خلال السنوات المقبلة. ويقصد بذلك تحويل الأصول الحقيقية إلى وحدات رقمية قابلة للتداول عبر تقنيات البلوك تشين، بما يتيح الملكية الجزئية ويزيد من سهولة الوصول إلى فئات جديدة من المستثمرين.
وتتوقع BCG أن تبلغ قيمة الأصول الحقيقية المرمزة نحو 14 تريليون دولار بحلول 2030، ثم ترتفع إلى قرابة 55 تريليون دولار بحلول 2035. وإذا تحققت هذه التقديرات، فإن القطاع المالي العالمي قد يدخل مرحلة مختلفة من حيث السيولة، وهيكل الملكية، وسرعة التداول.
بالنسبة للشركات الناشئة في المنطقة، قد يمثل هذا الاتجاه فرصة لتطوير حلول في مجالات الحفظ الرقمي، والبنية التحتية للترميز، ومنصات الاستثمار الجزئي، وهي قطاعات مرشحة للنمو مع نضوج الإطار التنظيمي وتزايد اهتمام المستثمرين.
مؤشرات على مرحلة أكثر نضجاً في السوق
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن صناعة إدارة الأصول في الخليج لم تعد مجرد سوق نامية، بل أصبحت سوقاً أكثر نضجاً وتنوعاً، تجمع بين رأس المال المؤسسي، وتوسع المستثمر الفردي، وتسارع الابتكار التقني.
ومع استمرار السعودية في الصدارة، وتوسع دور الذكاء الاصطناعي، وظهور ترميز الأصول كاتجاه طويل الأمد، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لإعادة ترتيب أولويات الشركات العاملة في هذا القطاع. وفي هذا السياق، ستصبح الكفاءة التقنية، والانتشار التوزيعي، والقدرة على الابتكار، عناصر أساسية في المنافسة أكثر من أي وقت مضى.