من meme غامض إلى فيلم طويل
انتقلت فكرة Backrooms من زاوية هامشية في الإنترنت إلى واحد من أكثر مشروعات الرعب التي تحظى بالاهتمام هذا العام. العمل الذي بدأ كفيديو قصير على يوتيوب تحوّل إلى فيلم طويل يحمل رؤية أكثر نضجاً، ويضع الشاب كاين بارسونز في موقع لافت داخل صناعة السينما، بعد سنوات قليلة فقط من بداياته الأولى.
بارسونز، الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، وجد نفسه أمام موجة نجاح سريعة وغير متوقعة. هذا الصعود لم يكن مخططاً له منذ البداية، بل جاء نتيجة تفاعل واسع مع عالم بصري أثار فضول الجمهور وفتح باباً واسعاً للتأويل والقراءة. ومع مرور الوقت، أصبح المشروع مثالاً على قدرة الإنترنت على صناعة أفكار تتجاوز منصاتها الأصلية.
كيف ولدت الفكرة من ثقافة الإنترنت
البذرة الأولى لـ Backrooms تعود إلى منشور على 4chan عام 2019، تضمن صورة لممر فارغ بإضاءة صفراء مزعجة ووصفاً لمكان يشبه المتاهة، مليئاً بالغرف الفارغة وروائح السجاد الرطب وأصوات المصابيح الصاخبة. هذا التصور سرعان ما تطور إلى أسطورة رقمية يشارك في بنائها المستخدمون عبر الصور والقصص والمقاطع القصيرة.
اللافت في هذه الفكرة أنها لم تبقَ مجرد نكتة أو مشهد عابر، بل تحولت إلى عالم مشترك يتوسع باستمرار. هذا النوع من السرد التفاعلي يعكس جانباً مهماً من ثقافة الإنترنت الحديثة، حيث لا تأتي الفكرة من مؤلف واحد فقط، بل تتكون تدريجياً عبر مساهمات عديدة من جمهور واسع ومتشابك.
بارسونز رأى في هذه الفكرة شيئاً مختلفاً عن المألوف. بالنسبة له، كان هناك شعور بأن هذا العالم الغريب يلامس قلقاً بصرياً ونفسياً لم تستكشفه الأعمال التقليدية بالقدر الكافي. لذلك قرر أن يختبره عبر أدوات المؤثرات البصرية، مستخدماً Blender وAdobe After Effects لصناعة نسخة أكثر إحكاماً وإقناعاً.
الفيديو الذي فتح الطريق إلى هوليوود
الفيديو القصير الذي نشره بارسونز في 2022، والذي حمل طابع اللقطات الملتقطة من كاميرا محمولة، انتشر بسرعة كبيرة. الجمهور لم يتفاعل فقط مع الإحساس المرعب الذي صنعه، بل أيضاً مع دقة التنفيذ والقدرة على بناء توتر متصاعد من دون الاعتماد على الحوار أو الشرح المباشر. خلال فترة قصيرة، بدأ النقاش يتجاوز الفيديو نفسه إلى ما يمكن أن يصبح عليه هذا العالم لو تحول إلى فيلم طويل.
هذا النجاح السريع جذب اهتمام جهات إنتاج واستوديوهات، لكن بارسونز تعامل بحذر مع العروض المبكرة. بالنسبة له، الشهرة الرقمية السريعة لا تعني بالضرورة مشروعاً ثابتاً، وكان يدرك أن كثيراً من هذه الفرص قد تتبدد أو تنتهي بنتائج أقل مما يتوقعه الجمهور. مع ذلك، تمكن في النهاية من الوصول إلى صيغة إنتاجية تمنحه مساحة لتوسيع الفكرة من دون أن يفقد هويتها الأصلية.
المشروع الطويل جاء بدعم من فريق ذي خبرة واضحة في أفلام النوع، مع كتابة السيناريو بواسطة ويل سوديك، ومشاركة أسماء إنتاج معروفة مثل أوسغود بيركنز وجيمس وان. هذه التركيبات عادة ما تعطي أي فيلم رعب جديد قدراً أكبر من الثقة، لكنها هنا تحمل أيضاً اختباراً صعباً: كيف يمكن توسيع أسطورة رقمية بلا إجابات نهائية إلى فيلم يحافظ على غموضها؟
قصة بشرية داخل متاهة غير بشرية
الفيلم لا يعتمد فقط على شكل المكان المرعب، بل يربط المتاهة بعلاقات شخصية مضطربة. الشخصية الرئيسية، كلارك، رجل يمر بأزمة شخصية ومهنية ويعيش حالة من الانكسار بعد فشل زواجه وتعثر طموحه المهني. وفي موازاة ذلك، تظهر شخصية ماري التي تحمل بدورها ندوباً نفسية من طفولة مقيدة ومغلقة على الخوف والعزلة.
هذا الربط بين الرعب الخارجي والاضطراب الداخلي يمنح الفيلم بعداً أعمق من مجرد مطاردة داخل متاهة. فالعالم الغريب الذي يكتشفه كلارك لا يبدو منفصلاً عن حالته النفسية، بل أشبه بامتداد بصري لما هو عالق بداخله. وهنا يتحول Backrooms من فكرة مخيفة على الإنترنت إلى دراما نفسية تتغذى على الشعور بالضياع.
وعندما يجد كلارك طريقه إلى ذلك الفضاء الآخر، فإن ما يواجهه ليس مجرد غرف متكررة، بل نظاماً من الأماكن التي تبدو مألوفة في البداية ثم تكشف عن خلل مزعج في التفاصيل. هذا التلاعب بالمألوف وغير المألوف هو أحد أهم عناصر الجذب في الفيلم، لأنه يخلق شعوراً بأن العالم نفسه خرج عن منطق الاستقرار.
رهان صعب بين جمهور الإنترنت والجمهور الجديد
أحد أكبر تحديات الفيلم كان الحفاظ على رضا المتابعين القدامى من دون جعل العمل مغلقاً على من يعرف الأسطورة مسبقاً. بارسونز كان واضحاً في إدراكه لخطر الإفراط في مخاطبة مجتمع المعجبين الأكثر شغفاً، لأن ذلك قد يحول العمل إلى لغز داخلي لا يفهمه سوى المتابعون الأشد قرباً. لذلك اختار مساراً أكثر توازناً، يترك مساحة للتأويل لكنه لا يبني الفيلم كله على فك الشيفرات.
إحدى النتائج المهمة لهذا الخيار أن الفيلم لا يقدم تفسيرات نهائية كبرى. بل يترك شعوراً مزعجاً بالأسئلة المفتوحة، وهو أمر متعمد على ما يبدو. وفي زمن اعتادت فيه الجماهير العودة إلى البحث السريع والتعليقات والشروحات فور انتهاء أي عمل، يأتي الفيلم ليعكس شيئاً من روح التسعينات، حين كانت الأسئلة تبقى معلقة لفترة أطول ولا يمكن حلها بضغطة زر.
هذا الغياب المتعمد للتفسير يمنح العمل قوة إضافية. فالأمر لا يتعلق فقط بالخوف من المكان، بل أيضاً بالخوف من أن تكون بعض الأسئلة بلا جواب. وهنا تبدو المتاهة وكأنها استعارة عن تجربة رقمية كاملة: كلما بحثت أكثر، زاد شعورك بأنك عالق داخل طبقات أعمق من الالتباس.
إشارة جديدة إلى تحول صناعة السينما
الاهتمام الكبير الذي يحيط بـ Backrooms لا يرتبط بالفيلم وحده، بل أيضاً بما يمثله لصناعة الترفيه. فهوليوود باتت تنظر بجدية إلى الإنترنت، خصوصاً يوتيوب، بوصفه مساحة تكشف مبكراً عن صناع يمتلكون لغة بصرية قادرة على جذب الجمهور. في هذه الحالة، لم يكن بارسونز مجرد صانع محتوى انتقل إلى السينما، بل نموذجاً لكيف يمكن لفكرة مولودة رقمياً أن تتحول إلى عمل تجاري وفني معاً.
ومع توقعات قوية للأداء في شباك التذاكر، يبدو الفيلم مؤهلاً لأن يكون أحد أبرز أمثلة هذا التحول. لكنه أيضاً يطرح سؤالاً أبعد: هل تستطيع الأفكار التي تنشأ داخل المجتمعات الرقمية أن تحافظ على أصالتها عندما تدخل النظام التقليدي للإنتاج السينمائي؟ في حالة Backrooms، تبدو الإجابة الأولية أنها تستطيع، على الأقل عندما يكون صاحب الفكرة هو نفسه من يقود التوسيع.
ما بدأ كصورة غريبة على منتدى قديم صار اليوم فيلماً كبيراً يدور حول الضياع والذاكرة والمتاهات والقلق الحديث. وهذا بحد ذاته يلخص جانباً مهماً من مسار الشركات الناشئة الإبداعية في العصر الرقمي: فكرة صغيرة، أدوات محدودة، جمهور متفاعل، ثم قفزة غير متوقعة إلى سوق أكبر بكثير.